ولعل من الدوافع لهذا الاتجاه الاجتهادي ؛أن أصحاب هذه المدرسة يريدون إضفاء الشرعية على هذا الواقع ، بالتماس تخريجات وتأويلات شرعية تعطيه سندًا للبقاء . وقد يكون مهمتهم تبرير، أو تمرير ما يراد إخراجه للناس من قوانين أو قرارات أو إجراءات تريدها السلطة ..
ومن هؤلاء من يفعل ذلك مخلصًا مقتنعًا لا يبتغي زلفى إلى أحد ، ولا مكافأة من أحد ولكنه واقع تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام حضارة الغرب وفلسفاته ومسلماته ..
ومنهم من يفعل ذلك ، رغبة في دنيا يملكها أصحاب السلطة أو مَن وراءهم من الذين يحركون الأزرار من وراء الستار ، أو حبًا للظهور والشهرة على طريقة:
خالف تعرف ، إلى غير ذلك من عوامل الرغب والرهب أو الخوف والطمع التي تحرك كثيرًا من البشر ، وإن حملوا ألقاب أهل العلم وألبسوا لبوس أهل الدين .
ولا يخفى على أحد ما لهذا التيار الاجتهادي من آثار سيئة على الدين وحتى على تلك المجتمعات التي هم فيها،فهم قد أزالوا من خلال بعض الفتاوى الفوارق بين المجتمعات المسلمة والكافرة بحجة مراعاة التغير في الأحوال والظروف عما كانت عليه في القرون الأولى.
ويمكن أن نبرز أهم ملامح هذا الاتجاه فيما يلي:-
ا - الإفراط بالعمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص:
إن المصلحة المعتبرة شرعًا ليست بذاتها دليلًا مستقلًا بل هي مجموع جزئيات الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة التي تقوم على حفظ الكليات الخمس فيستحيل عقلًا أن تخالف المصلحة مدلولها أو تعارضه وقد أُثبتت حجية المصلحة عن طريق النصوص الجزئية فيكون ذلك من قبيل معارضة المدلول لدليله إذا جاء بما يخالفه وهذا باطل (34) .
فالمصلحة عند العلماء ما كانت ملائمة لمقاصد الشريعة لا تعارض نصًا أو إجماعًا مع تحققها يقينيًا أو غالبًا وعموم نفعها في الواقع ، أما لو خالفت ذلك فلا اعتبار بها عند عامة الفقهاء والأصوليين إلا ما حُكِي عن الإمام الطوفي ـ رحمه الله ـ أنه نادى بضرورة تقديم دليل المصلحة مطلقًا على النص والإجماع عند معارضتهما له.
وواقع الإفتاء المعاصر جنح فيه بعض الفقهاء والمفتين إلى المبالغة في العمل بالمصلحة ولو خالفت الدليل المعتبر ومن ذلك ما قاله بعض المعاصرين ممن ذهبوا إلى جواز تولي المرأة للمناصب العالية: (( إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الناس في مكة سورة النمل وقص عليهم في هذه السورة قصة ملكة سبأ التي قادت قومها إلى الفلاح والأمان بحكمتها وذكائها ، ويستحيل أن يرسل حكمًا في حديث يناقض ما نزل عليه من وحي …ـ إلى أن قال ـ هل خاب قوم ولوا أمرهم امرأة من هذا الصنف النفيس ) ).
ولا شك في معارضة هذا الكلام لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة ) ).
ومن ذلك أيضًا ما أفتى به فضيلة المفتي السابق بجمهورية مصر العربية على جواز الفوائد المصرفية مع معلومية الربا فيها ، ومخالفته للنصوص والإجماع المحرم للربا قليله وكثيره.
وظهر في الآونة الأخيرة بعض الفتاوى التي أباحت بيع الخمر من أجل مصلحة البلاد في استقطاب السياحة ، وإباحة الإفطار في رمضان من أجل ألا تتعطل مصلحة الأعمال في البلاد ، وإباحة التعامل بالربا من أجل تنشيط الحركة التجارية والنهوض بها ، والجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع لما في ذلك من تهذيبٍ للأخلاق وتخفيفٍ للميل الجنسي بينهما !! ؟ .
وبعضها جوزت التسوية بين الأبناء والبنات في الميراث، بل وبعضها جوزت أن تمثل المرأة وتظهر في الإعلام بحجة التكييف مع تطورات العصر بفقه جديد وفهم جديد.
وكل هذه وغيرها خرجت بدعوى العمل بالمصلحة ومواكب الشريعة لمستجدات الحياة .
ب - تتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب:
الرخص الشرعية الثابتة بالقرآن والسنة لا بأس في العمل بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) ).
أما تتبع رخص المذاهب الاجتهادية والجري وراءها دون حاجةٍ يضطر إليها المفتي ، والتنقل من مذهب إلى آخر والأخذ بأقوال عددٍ من الأئمة في مسألة واحدة بغية الترخص ، فهذا المنهج قد كرهه العلماء وحذَّروا منه ، وإمامهم في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (( إني أخاف عليكم ثلاثًا وهي كائنات: زلة عالم ، وجدال منافق بالقرآن ، ودنيا تفتح عليكم ) ).
فزلة العالِم مخوفة بالخطر لترتب زلل العالَم عليها فمن تتبع زلل العلماء اجتمع فيه الشر كله .
وقد حكى بعض المعاصرين خلافًا بين العلماء في تجويز الأخذ برخص العلماء لمن كان مفتيًا أو ناظرًا في النوازل.
ولعل حكاية الخلاف ليست صحيحة على إطلاقها وذلك للأسباب التالية:-
1-أن الخلاف الذي ذكروه في جواز تتبع الرخص أخذوه بناءً على الخلاف في مسألة الجواز للعامي أن يتخير في تقليده من شاء ممن بلغ درجة الاجتهاد ، وأنه لا فرق بين مفضول وأفضل ، ومع ذلك فإنهم وإن اختلفوا في هذه المسألة إلا أنهم اتفقوا على أنه إن بان لهم الأرجح من المجتهدين فيلزمهم تقليده ولا يجوز لهم أن يتتبعوا في ذلك رخص العلماء وزللهم والعمل بها دون حاجه أو ضابط.
فلا يصح أن يُحكى خلافٌ للعلماء في مسألة تخريجًا على مسألة أخرى تخالفها في المعنى والمضمون ، ولا تلازم بينها وذلك أن الخلاف في حق العامي ، أما المجتهد المفتي فلا يجوز له أن يفتي إلا بما توصل إليه اجتهاده ونظره.
2-أن بعض العلماء جوّز الترخص في الأخذ بأقوال أي العلماء شاء وهذا إنما هو في حق العوام ـ كما ذكرنا ـ كذلك أن يكون في حالات الاضطرار وأن لا يكون غرضه الهوى والشهوة ، يقول الإمام الزركشي ـ رحمه الله ـ في ذلك: (( وفي فتاوى النووي الجزم بأنه لا يجوز تتبع الرخص ، وقال في فتاوٍله أخرى ؛ وقد سئل عن مقلد مذهب: هل يجوز له أن يقلد غير مذهبه في رخصة لضرورة ونحوها ؟ ، أجاب: يجوز له أن يعمل بفتوى من يصلح للإفتاء إذا سأله اتفاقًا من غير تلقّط الرخص ولا تعمد سؤال من يعلم أن مذهبه الترخيص في ذلك ) ).
فالعلماء لا يجوزون تتبع الرخص إلا في حالات خاصة يبرّرها حاجة وحال السائل لذلك لا أن يكون منهجًا للإفتاء يتبعه المفتي مع كل سائل أوفي كل نازلة بالهوى والتشهي.
3-أن هناك من العلماء من حكى الإجماع على حرمة تتبع الرخص حتى لو كان عاميًا ومن أولئك الإمام ابن حزم ـ رحمه الله ـوابن الصلاح ـ رحمه الله ـوكذلك ابن عبد البر حيث قال رحمه الله: (( لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا ) ).
وقد أفاض الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في الآثار السيئة التي تنجم عن العمل بتلقّط الرخص وتتبعها من المذاهب وخطر هذا المنهج في الفتيا.
والتساهل المفرط ليس من سيما العلماء الأخيار وقد جعل ابن السمعاني ـ رحمه الله ـ من شروط العلماء أهل الاجتهاد: الكف عن الترخيص والتساهل ، ثم صنف ـ رحمه الله ـ المتساهلين نوعين:
1-أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفكر فهذا مقصر في حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز .
2 -أن يتساهل في طلب الرخص وتأول السنة فهذا متجوز في دينه وهو آثم من الأول.