فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 1226

نوقش بأن الفقهاء لم يبحثوا هذه المسألة في عصرهم؛ لعدم حاجتهم إليها، إذ لم يكن أمر التجارة من الأهمية والتأثير مثل ما أصبح عليه في العصر الحاضر، وكان وصول الدائن إلى حقه في عصرهم ميسورًا وسريعًا، بخلاف ما عليه الوضع الآن من طول الإجراءات وتأخرها (56) .

الإجابة:

أجيب عن المناقشة بما يلي:

عدم التسليم بأن الفقهاء لم يبحثوا هذه المسألة، بل إنهم بحثوها إلا أنهم لم يُلِحُوا عليها، ولم يتوقفوا عندها كثيرًا؛ لكونها في نظرهم من مسلمات الفقه، إذ هي مشمولة بعموم نصوص القرآن والسنة في تحريم الربا، ومنه: الزيادة في الدَّين مقابل التأخير (57) .

وبيانًا لذلك يقال: إن الفقهاء من خلال استقراء كلامهم في المماطلة، وما يشابهها من أحكام، يظهر أنهم لا يرون التعويض المالي مقابل تأخر المال، وأن المماطل ليس عليه إلا أداء المال لصاحبه، وأن المطل لا يوجب زيادة في الدَّين، ولا يستحق به غلة المال، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: أن أكثر العلماء فسروا العقوبة في الحديث: بأنها الحبس، وقد فسرها بذلك وكيع، وسفيان الثوري، وابن المبارك.

قال ابن المنذر:"أكثر من نحفظ قوله من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدَّين، وممن نحفظ ذلك عنه: مالك، وأصحابه، والشافعي، والنعمان، وأصحابهما، وأبو عبيد ، وبه قال سوار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن، وقد روينا هذا القول عن شريح، والشعبي، وكان عمر بن عبد العزيز يقول:"يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس" (58) ."

وقال الجصاص:"جعل مطل الغني ظلمًا، والظالم لا محالة مستحق للعقوبة، وهي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره" (59) .

وقال ابن تيمية:"يعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، ولا أعلم في هذا خلافًا" (60) .

وقال أيضًا:"ولو كان قادرًا على أداء الدَّين وامتنع، ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره، إذا لم يتعد حدود الله" (61) ، والقول بالتعويض المالي عن ضرر المماطلة في الديون تعدٍ على حدود الله، فيمنع منه؛ لأنه ربا.

فظهر بما سبق أن السابقين يرون زجر المماطل بالعقوبات الرادعة، وهم متفقون على عدم القول بجواز التعويض المالي للدائن على مدينه المماطل؛ إذ لو قيل به لنقل، فالقول بالتعويض اجتهاد جديد في مقابلة هذا الاتفاق (62) .

قال الدكتور أحمد فهمي أبو سِنَّة:"لم يقل أحد من العلماء بتغريمه - أي المماطل- مالًا، فالفتوى بأن المدين تجوز عقوبته بتغريم المال....اجتهاد جديد في مقابلة الإجماع" (63) .

ثانيًا: أن الفقهاء تكلموا عن مسائل - أشد من المماطلة في الديون - تُمنَعُ فيها الأموال عن أصحابها أزمانًا طويلة ظلمًا وعدوانًا، ولم يوجبوا فيها إلا ضمان المثل، ككلامهم في الأموال المسروقة، والمغصوبة، وأموال الأمانات المعتدى عليها، وربح المال المغصوب، فيقاس عليها تضمين المماطل رأس المال فقط وعدم تغريمه من باب أولى.

ومن أقوال الفقهاء في المال المغصوب ما يلي:

قال في الهداية:"ومن غصب شيئًا له مثل، كالمكيل والموزون، فهلك في يده، فعليه...ضمان مثله...؛ لأن الواجب هو المثل" (64) .

وقال في المعونة:"الشيء المغصوب مضمون باليد، فمن غصب شيئًا فقد ضمنه إلى أن يرده، فإن رده كما غصبه، سقط عنه الضمان ولزم المالك قبوله" (65) .

وقال في (روضة الطالبين) :"ما كان مثليًا ضمن بمثله" (66) .

وقال في (المغني) :"وما تتماثل أجزاؤه وتتقارب صفاته كالدراهم والدنانير....ضمن بمثله بغير خلاف" (67) .

ومن أقوالهم في المال المسروق ما يلي:

قال ابن المنذر:"وأجمعوا أن السارق إذا قطع ووجد المتاع بعينه، أن المتاع يرد على المسروق منه" (68) .

وقال في الكتاب:"إذا قطع السارق والعين قائمة في يده، ردَّها" (69) .

وقال في المعونة:"إذا قطع السارق ثم وجد الشيء المسروق عنده، لزمه رده إلى مالكه" (70) .

وقال في الأم:"أُغرِم السارق ما سرق، قطع أو لم يقطع، والحد لله فلا يُسقِط حدُّ الله غُرمَ ما أتلف للعباد" (71) .

وقال في المغني:"لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية، فأما إن كانت تالفة، فعلى السارق رد قيمتها، أو مثلها إن كانت مثلية، قطع أو لم يقطع، موسرًا كان أو معسرًا" (72) . ومَنْعُ المال من صاحبه بسبب الغصب والسرقة أشد ظلمًا من مَنْعِهِ بسبب المماطلة، ومع ذلك لم يوجبوا على الغاصب والسارق التعويضَ عن ضرر التأخر أو فوات منافع المال أو الضرر الحقيقي مقابل بقاء المال عنده تلك المدة، وحرمان صاحبه من الانتفاع به.

ثالثًا: نص بعض الفقهاء على عدم ضمان الغاصب للربح المفترض (الفرصة الضائعة) ، والغاصب أشد ظلمًا من المماطل، ومن ذلك ما يلي:

قال البهوتي:"ولا يضمن ربح فات على مالك بحبس غاصب مال تجارة مدة يمكن أن يربح فيها، إذا لم يتجر فيه غاصب" (73) .

وأما غير الحنابلة، فهم لا يقولون بضمان الغاصب لربح المال المحقق، فضلًا عن ضمانه للربح المفترض (74) .

رابعًا: نص بعض الفقهاء على أن المماطل ليس عليه إلا أداء رأس ماله، وأن المطل لا يوجب زيادة في الدَّين، ولا يغرم غلة المال، فمن ذلك:

ما قاله الشيخ عليش (75) -بعد ذكره قول الوانوغي بأن المماطل يضمن قيمة ما آلت إليه السكة الجديدة، فيما إذا بطلت الفلوس أو عدمت- ما يلي:"بحث بدر الدَّين القرافي مع الوانوغي بأن تقييده - أي المدين المماطل- لم يذكره غيره من شراح المدونة، وشراح ابن الحاجب، وللبحث فيه مجال ظاهر، لأن مطل المدين لا يوجب زيادة في الدِّين، وله طلبه عند الحاكم، وأخذه منه جبرًا، كيف وقد دخل عند المعاملة معه على أن يتقاضى حقه منه كما دفعه.. وبحث فيه بعض أصحابنا: بأن غايته - أي: المماطل- أن يكون كالغاصب، والغاصب لا يتجاوز معه ما غصب ا.هـ...وقد ذكر في المعيار أن ابن لب: سئل عن النازلة نفسها،فأجاب: بأنه لا عبرة بالمماطلة، ولا فرق بين المماطل وغيره إلا في الإثم".

وقد ذكر العدوي (76) في نفس المسألة ما نصه:"فإن قلت ما الفرق بينه -أي: المماطل- وبين الغاصب الذي يضمن المثلى - أي في هذه المسألة- ولو بغلاء، مع أنه أشد ظلمًا من المماطل أو مثله؟ فالجواب: أن الغاصب لما كان يغرم الغلة في الجملة خفف عنه، ولا كذلك المماطل". وهذا نص واضح على أن المماطل لا يغرم شيئًا يزيد على أصل الحق.

خامسًا: نص الحطاب المالكي على منع التعويض المالي إذا كان مشروطًا، فقال:"إذا التزم المدعى عليه للمدعي، أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا، فله عليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه؛ لأنه صريح الربا، وسواء كان الشيء الملتزم به من جنس الدَّين أو غيره، وسواء كان شيئًا معينًا أو منفعة" (77) ، والحكم بالتعويض بلا شرط يؤول إلى أن يكون مشروطًا بالعرف، فيصبح عرفًا لازمًا، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.

الدليل الرابع:

أن التعويض عن ضرر المماطلة إن لم يكن ربًا في ذاته، فهو ذريعة موصلة إليه، وسدُّ الذرائع من القواعد الفقهية المعتبرة شرعًا (78) ، والقول به يفتح باب الربا، والتواطؤ على أخذه، بحجة التعويض عن الضرر، أو فوات الانتفاع، وبنفس حجة التعويض عن الضررانتشر أخذ الربا، وبرَّرَ المرابون ظلم المدينين والمعسرين، وبيان هذا من أربعة أوجه:

الوجه الأول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت