فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 1226

الوجه الخامس: أن الله _عز وجل_ أبطل الربا ورد الدائن لرأس ماله فحسب، ولو كان يستحق تعويضًا عن ما فاته من منافع ماله المحتمل، لبين ذلك وأوضحه وفرق بين الصورتين.

المناقشة:

نوقش الاستدلال بالآيتين بعدم التسليم بأن التعويض عن ضرر المماطل من جنس الربا، وذلك من أربعة أوجه، وهي كالتالي:

الوجه الأول:أن الزيادة الربوية في مسألة ( أتقضي أم تربي ) في غير مقابلة عوض، فهي نتيجة تراض بين الدائن والمدين على تأجيل السداد مقابل زيادة في الأجل، أما التعويض فهو مقابل تفويت منفعة على الدائن بلا رضًا منه (41) .

الإجابة:

أجيب عن ذلك بما يلي:

أولًا: عدم التسليم بأن الزيادة الربوية في غير مقابلة عوض، بل هي في مقابلة عدم الاستفادة من المال خلال مدة التأجيل، وحبس المال، وعدم انتفاع صاحبه به.

ثانيًا: أن المرابين المعاصرين حللوا أخذ الربا بمثل هذا التعليل، وابتكروا نظرية الفرصة الضائعة لتبرير أخذ الربا المحرم، و هي نفسها حجة من يرى التعويض، ولو كان التعويض عن الربح الفائت على صاحب الدَّين جائزًا، لأباح الشارع الفائدة على الديون المأخوذة للاستثمار في التجارة والصناعة؛ لأن هذه الفائدة تعويض للدائن عن منافع ماله مدة بقائها عند المدين، وكذا المقرض بلا فائدة تلحق به مضار وتفوته منافع من جراء قرضه المجاني، ولم يُبَحْ له زيادةٌ أو نفعٌ يزيد على رأس المال إن وقع مشروطًا ونحوه، فدل ذلك على أن التعويض نوع من الربا (42) .

الوجه الثاني:

أن الزيادة الربوية مشروطةٌ سلفًا، ومحددةٌ لأجل تأخير مستقبلي برضًا من الطرفين، أما التعويض فهو لأجل رفع الظلم الواقع على صاحب المال، ولأجل تأخير ماضٍ وقع بغير رضًا من صاحب المال (43) .

الإجابة:

أجيب عن ذلك بما يلي:

أولًا: أن هذا التفريق نظري لا يصلح أن يكون مناطًا للحكم، ثم على القول بجواز التعويض يصبح الأمر معلومًا سلفًا بالعرف، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (44) .

ثانيًا: نسلم أن المطل ظلم واقع على صاحب المال، إلا أنه ليس كل ظلم وضرر يلحق الإنسان من غيره يعد موجبًا لتعويضه ماليًا (45) .

الوجه الثالث:

أن الزيادة الربوية الجاهلية لا تفرق بين مدين موسر ومدين معسر، فمتى حل الأجل طولب بالوفاء أو بالزيادة، أما التعويض فلا يلزم به إلا من كان موسرًا مماطلًا، وإذا ثبت إعساره، فلا يلزم بأداء أي تعويض (46) .

الإجابة:

أجيب عن ذلك بما يلي:

أولًا: النصوص في تحريم أخذ الربا عامة لم تفرق بين المعسر والموسر، فكلاهما لا يجوز أخذ الربا منه، إلا أن المعسر روعي في وجوب تأخيره وتحريم مطالبته حتى يوسر، فيبقى الموسر مطالبًا برأس المال فقط دون زيادة.

ثانيًا: أن أخذ مال زائد عن أصل الدَّين مقابل التأخير في وفاء الدَّين لا يخرج عن ثلاث حالات:

1-حالة المدين الذي لا يجد ما يقضي به، وهي محل اتفاق على منع التعويض؛ لكون الزيادة ربا محرمًا، وتحرم مطالبته لعسرته، وحكمه التأجيل بلا زيادة.

2-حالة المدين الذي يتفق مع صاحب الدَّين على تأخيره مقابل الزيادة، وهي محل اتفاق على منع التعويض، لكونه نوع من ربا الجاهلية المحرم الصريح.

3-حالة المدين الممتنع الذي لا يقضي ما عليه، فيضع عليه صاحب الدَّين زيادة، وهي موضوع بحثنا، وحكم التعويض هنا محرم؛ لأنه زيادة على أصل الدَّين، فالعلماء لم يفرقوا بين الزيادة في الحالتين السابقتين وهذه الحالة، فالزيادة ولو سميت تعويضًا عن ضرر داخلة في ربا الجاهلية المحرم (47) .

ثالثًا: أن هذا التعويض إن كان لأجل جبر ضرر الدائن وليس لعقاب المدين، فلا فرق بين أن يكون المدين موسرًا أو معسرًا؛ لأن المتضرر يستحق الجبر ولو كان المُضِر معسرًا، كما يستحق الأرش على الجاني ولو كان فقيرًا (48) .

الوجه الرابع: أن نسبة الزيادة الربوية معلومة للطرفين في بداية العقد، أما التعويض فلا يمكن معرفة نسبته ابتداءً، وإنما يتحدد بناء على ما فات من ربح حقيقي خلال مدة المماطلة (49) .

الإجابة:

أجيب عن ذلك بما يلي:

أولًا: أن هذا فرق غير مؤثر، وذلك أنه متى اشترطت الزيادة، أو قام عرف يدل عليها، أو أمكن فرضها للدائن، فهي ربا، سواء حددت في العقد، أو بعده، أو حددها القضاء، أو التحكيم، وسواء كانت كثيرة أو قليلة.

ثانيًا: أن هذا الفرق نظريٌ ليس بعملي، إذ إن نسبة تحقيق الأرباح من العمليات الاستثمارية في البنوك والمصارف معلومة تقريبًا، خصوصًا أن معظم عمليات المصارف الإسلامية تدور حول المرابحة المؤجلة، ونسبة أرباحها معلومة في الجملة، فآل الأمر إلى العلم بنسبة التعويض، إذا كان التعويض راجع إلى معدل الربحية خلال مدة المماطلة (50) .

الدليل الثاني:

ما ورد عن عمرو بن الشريد عن أبيه أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال:"لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" (51) .

وجه الدلالة من الحديث:

دل الحديث على عدم مشروعية تعويض الدائن عن ضرر مماطلة غريمه، وذلك أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أحل عرض المماطل وعقوبته فقط ولم يحل ماله، فالمشروع في حق المماطل الواجد شكايته، وفضحه، وعقوبته بما يزجره ويردعه عن المطل، ولو كان التعويض الجابر لضرر المماطلة مشروعًا لبينه _صلى الله عليه وسلم_ ؛ لشدة الحاجة إليه، والسكوت في موضع الحاجة بيان (52) .

المناقشة:

نوقش الاستدلال بالحديث بأن عموم لفظ العقوبة يشمل العقوبة المالية، والنصوص العامة في اعتبار العقوبة المالية ضربًا من التعزير صريحة وواضحة، ومن أنوع العقوبة المالية: تمليك الغير، وتعويض الدائن عن ضرر المماطلة داخل فيها (53) .

الإجابة:

أجيب بأنه لا يصح اعتبار التعويض المالي للدائن عن ضرره من باب العقوبة المالية؛ لأمرين:

الأول: أن ولاية إيقاع العقوبات التعزيرة للحاكم، و التعويض هنا يقع بالشرط أو العرف، ويباشره الدائن، فخرج عن كونه تعزيرًا بالمال، ولو فوض تنفيذ العقوبات إلى آحاد الناس أو صح لكونه مشروطًا في العقد، لأفضى ذلك إلى فوضى واضطراب لا يقرها الشرع (54) .

الثاني: أن المراد من العقوبة الزجر والردع وليس الجبر، وإلا لوجب جبر ضرر الدائن من مماطلة مدينه المعسر.

الدليل الثالث:

أن مسألة المماطلة في الديون وتأخر الأموال المستحقة بيد من يجب عليهم أداؤها لأصحابها ليست مسألة نازلة تحتاج إلى اجتهاد جديد، بل هي من المسائل السابقة التي يكثر وقوعها، ويعاني منها الناس في سائر الأوطان والأزمان، وباستقراء ما ذكره العلماء في المدين المماطل بغير حق من العقوبات نجد أنه لم ينقل عن أحد منهم قبل هذا العصر أنه قضى أو أفتى بجواز التعويض المالي لأجل المماطلة في الديون، مع أن فكرة تعويض الدائن عن الأرباح الفائتة والمتوقعة مقابل ماله المحبوس عند المماطل قريبة إلى أذهانهم - لو كانت جائزة -؛ إذ هي جزاء من جنس العمل، ومعاملة بنقيض القصد، وقد نصوا على العقوبات الزاجرة عن المماطلة في الديون، كالسجن، والضرب، والمنع من فضول المباحات، وبيع المال ونحوه، ولم يذكروا التعويض المالي عن ضرر المماطلة، مما يدل على أنه متقرر لديهم أن التعويض المالي للدائن بسبب المطل أنه داخل في الربا المحرم، سواء كان مقابل التأخر، أو فوات الربح المتوقع، أو الضرر الفعلي؛ إذ هو زيادة في دين مقابل زيادة في أجل السداد (55) .

المناقشة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت