فهرس الكتاب

الصفحة 690 من 1226

-عقوبات دنيوية، هي المصائب تقع على الإنسان في: نفسه، وخاصته من أهله وماله. أو تقع على الأمة: في حرثها، ونسلها. هي الشاملة كالبراكين، والزلازل، والأعاصير، والفيضانات، والأمراض، والفقر.. إلخ، كما في قوله تعالى:

فبحسب النصوص السابقة، فكل ما يقع من مصيبة فبذنب، وفي الأثر في دعاء العباس عام الرمادة، لما استسقى: (اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة) ، وإذا كان المخالف للنظام والقانون في بلد عرضة للعقوبة، إلا إذا ارتحل إلى بلد آخر، فربما نجا، فإن المخالف للقانون الإلهي هو عرضة للعقوبة في كل وقت، وكل مكان، بأنواعها.

فالعلاقة بين الذنب والعقوبة ثابتة، وهناك من يثبت العقوبات الدينية، لكن يتساءل عن الدنيوية: ما علاقتها بالذنوب، ونحن نراها تقع على المؤمن والكافر.. البر والفاجر.. حتى على الأرض المباركة ؟!.

فهذا عنده شبهة، جلاؤها أن يقال: نعم، إن المصائب والعقوبات شاملة. فمن تأمل ما سبق: أدرك هذا. فقد تقرر: أن سبب العقوبات هو الذنب. وهو ليس حصرا على الكافر، كلا؛ لأن ذنب الكافر: شرك، وكفر، وكبائر، وصغائر، بينما المؤمن فذنبه كبائر، وصغائر، ليس فيها فوق ذلك، وليس من شرط العقوبة أن يكون الذنب كفرا، بل بالكبائر كذلك:

-قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله..} .

-عن ابن عباس قال:"ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، و لا فشت الفاحشة في قوم إلا أخذهم الله بالموت، و ما طفف قوم الميزان إلا أخذهم الله بالسنين، و ما منع قوم الزكاة إلا منعهم الله القطر من السماء، وما جار قوم في حكم إلا كان البأس بينهم - أظنه قال - و القتل". رواه البيهقي، قال الألباني:"و إسناده صحيح و هو موقوف في حكم المرفوع ، لأنه لا يقال من قبل الرأي". السلسلة الصحيحة 107

-وقد هزم المسلمون في أحد لما خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعصيان وعدم الثبات على مواقعهم في الجبل، فقال تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من أنفسكم} .

-وفي حنين هزموا، لما تعاجبوا واغتروا بكثرتهم، وقالوا:"لن نغلب اليوم من قلة". والعجب والغرور من الذنوب، قال تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} .

فهذا عقوبات عامة دنيوية: أمراض، وجدب، وحرب الله ورسوله. وكذلك الهزيمة، والزلازل، والبراكين، والفيضانات، والأعاصير، والحروب، والدمار، والتشريد، وتغير مناخ الأرض، وفساد الطعام والشراب، وضيق الزرق وانتشار العوز والفقر. كلها كانت بسبب ذنوب هي كبائر، ليس بينها كفر، والكفر أكبر، والعقوبة عليه أعظم: تقع على المؤمنين كما تقع الكافرين أيضا، إذا استوجبوا ذلك، شاملة لجميع الناس، بغير فرق بين الديانات، وربما كانت على المسلمين أشد:

-إذ عندهم من العلم ما ليس عند غيرهم، ومن عنده علم فقد قامت عليه الحجة.

-ولأن الله تعالى جعل الدنيا للكافرين يقلبهم فيها في نعيم، والآخرة للمؤمنين.

فإذا ثبت الذنب على المسلم، كان معرضا للعقوبات بأنواعها كالكافر، إلا أن الكافر عقوبته أغلظ:

-فالمسلم إذا سرق، أو زنى، أو شرب الخمر، أو قتل، أو قذف يقام عليه الحد كالكافر.

-وإذا مات وعليه كبيرة، كانت تحت المشيئة، فقد يعذب بالنار، إلا أنه أخف ولا يخلد.

قالت عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا قط، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيما - أو ريحا - عرف ذلك في وجهه. قالت: يا رسول الله!، الناس إذا رأوا غيما فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟، فقال: يا عائشة!، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا) . رواه أحمد

فإعصار كالإعصار المسمى بـ"جونو"، الذي ضرب سواحل عمان والأمارات وإيران، هو من العقوبات، والقحط والجدب العام، مع ضيق في الزرق وفي النفس، وظهور أمراض جديدة.. كل هذه سببها موجود في المسلمين، من المجاهرة بالعصيان. وفي أحوال كهذه، فإن العقوبات العامة ستأخذ الجميع، وتعم المفسد والمصلح، المرتكب للذنب وغير المرتكب، ما داموا جميعا في مكان واحد، قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} .

فالمذنب معروف لم عوقب؟، فأما غير المذنب فذلك::

-إما لأنه ساكت، فقد ذكر تعالى نجاة الناهين عن المنكر في قصة أصحاب السبت، ولم يذكر نجاة الساكتين.

-أو راض بالمنكر، فهو أولى، وقد قال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم} .

-أو مغلوب على أمره، فهذا جاء فيه أن أمة تغزو الكعبة، وفيهم من المكره، فيخسف الله بهم الأرض جميعا، ثم يبعثون على نياتهم، عن صفية - وفي رواية أم سلمة - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت، حتى يغزو جيش حتى إذا كانوا بالبيداء - أو بيداء من الأرض - خسف بأولهم وآخرهم ولم ينج أوسطهم. قلت: فإن كان فيهم من يكره؟!، قال: يبعثهم الله على ما في أنفسهم ) . رواه ابن ماجة

وقد دلت النصوص على نجاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من عموم العقوبة في قوله تعالى:

- {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ..} .

لكن هذا في عذاب الاستئصال، وهو عذاب قد انتهى من الأرض. صورته ما حصل لقوم: نوح، وعاد، وثمود، ومدين، ولوط، وأصحاب السبت: صيحة، أو ريح فيها عذاب أليم، أو طوفان مغرق، أو حجارة من السماء، أو نار تقذف من السحاب. فيهلك الجميع، فلا يبقى أحد: {فأصبحوا لايرى إلا مساكنهم} ، إلا المنكرون: ( أنجينا الذين ينهون عن السوء...

وهذا النوع من العذاب انتهى ببعثة موسى عليه السلام، قال تعالى:

- {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس } .

لأنه لم يكن جهاد، ومع موسى شرع الجهاد، وتوقف عذاب الاستئصال، الذي لا يبقي أحدا إلا الناهين عن المنكر، وصار بدلا عنه عذاب التذكير والتحذير، وفي هذا العذاب لا يأمن الناهون عن المنكر أن يصيبهم ما يصيب الظالمين: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} .

وقد أصيب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ومن معه، ما أصاب المخالفين أمره، وتعرضوا للقتل، وفي عام الرمادة عم البلاء الجميع، حتى عمر رضي الله عنه وسائر الكبار.

ليس لإنسان أن يبطل الذكرى والعظة بالعقوبات العامة، بدعوى أنها تصيب الكافر. فهذا في أحسن أحواله جاهل بسنة الله تعالى الشرعية والكونية؛ أي أمره وخلقه.. إن لم يكن من الزائغين، الذين قال تعالى فيهم:

- {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت