فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 1226

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد عليه الصلاة والسلام فهو كافر [15] "

وقال الحافظ ابن كثير:"فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة، كفر: فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه، من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين [16] "

وقال الشيخ الشنقيطي:"إن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليه وسلم: أنه لا يشك في كفرهم وشرهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم [17] "

ويقول الشيخ بن عثيمين:"من لم يحكم بما أنزل الله استخفافًا به، أو احتقارًا له، أو اعتقادًا أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق، فهو كافر كفرًا مخرجاُ عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية، أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه. [18] "

والنظام الديموقراطي نظام كفري لا يتحاكم إلى الله؛ بل يتحاكم إلى الشعب، فالشعب هو المشرع للقوانين وليس الله، ومعلوم من الدين بالضرورة أن التشريع من خصائص الله فلا يحق لأحد أن يشارك الله في التشريع، وتنظيم شؤون الناس الفردية والاجتماعية حق لله وحده لا يحل لأحد أن يشارك الله فيه ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) (يوسف: من الآية40) في كل شيء يجب أن ترجع أمورنا وقضايانا إلى شريعة الله المطهرة المنزهة من كل عيب ونقص. (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50) .

ومن لوازم تطبيق النظام الديموقراطي تشكيل الأحزاب المناهضة للإسلام، ولا فرق بين الناس وإن اختلفت دياناتهم ومعتقداتهم، ولا بد أن تصاغ الأفكار الدينية والآراء السياسية وفق النظام الليبرالي، فلا تقييد على الحرية الشخصية، فيعتقد الشخص ما يشاء، يرتد عن دينه، يدعو إلى الإلحاد والإباحية ونشر الفساد كل ذلك تحت شعار"دعه يعمل ما يشاء دعه يمر"كل هذا وغيره من لوازم النظام الديمقراطي والذي يتناقض مع النظام الإسلامي.

مصدر التلقي لدى الكاتب:

يقول الكاتب:"إن جوهر الوجود يتكون من خالق ومخلوق وموضوع لا رابع لذلك. ونقصد بالمخلوق هنا الكائنات العاقلة فقط (الإنسان وفق المعلومات المتاحة) [19] ."

أولًا: لا نسلم للكاتب أن حوهر الوجود يتكون من ثلاثة لا رابع لها؛ بل الوجود خالق ومخلوق لا ثالث لهما، فكل ما سوى الله فهو مخلوق. ولم يبين الكاتب ما المقصود بالموضوع، ويحتمل أن يراد به المعاني، وهذه لا شك أنها من أفعال العباد وهي مخلوقة.

ثانيًا: لم يذكر الكاتب ما هذه المصادر المتاحة التي تلقى عنها العلم بأن الإنسان هو الكائن العاقل الوحيد في هذا الكون. ولا يمكن أن تكون هذه المصادر المتاحة القرآن والسنة لأنهما تقرران أن الكائنات العاقلة: الملائكة، والإنس، والجن. ويكفي أظهر دليل على ذلك إجماع الأمة بأنهم مكلفين، والتكليف لا يكون إلا لعاقل. وهذا أمر واضح بين، ولكنه مبهم لدى الكاتب لأن الملائكة والجن ليست من الأشياء الحسية التي يدركها بالحواس وهذا شيء لا يؤمن به الغرب.

والملاحظ على الكاتب كثرة استشهاده بالغربيين، واستدلاله بأقوالهم، بل لا تكاد تجد له استدلال على أقواله بقول من كلام السلف فهو يستنكف أن تكون هناك مرجعية ثابتة ينطلق منها الإنسان، ويستمد منها أصول التفكير إذ يقول:"إن النقد وثقافة النقد المتحدث عنها هي ذلك الأسلوب الذهني الذي يرى أن كل شيء قابل للنقد وإعادة التفكير والصياغة. إنه، بكلمات موجزة، ذلك الأسلوب المضاد للأسلوب أو العقلية"الدوغمائية [20] "المرتهنة لمرجعية معينة غير قابلة للنقد أو المراجعة أو المناقشة . [21] "ويقول أيضًا:"القول بالمرجعية لا يعني الديموقراطية المطلقة أو الثبات الدائم لمثل هذه المرجعية على مر الدهور والعصور، إذ أنها، أي المرجعية، ليست إلا متغيرًا معينًا لا بد أن يتغير بتغير الظروف التي أنشأته أو على الأقل تتعدل وفق قدرة انفتاحية معينة [22] "

الثوابت والمتغيرات لدى الكاتب:

يرى الكاتب أن الأزمة التي يعاني منها العقل العربي هو التزامه بمبدأ الثبات فيقول:"إن علة العقل العربي، وما ينتجه من فكر، ومن يمثله من مثقف أو مفكر، إنما تمكن في سلفيته غير القابلة للتغيير. فالعقل العربي اليوم ليس إلا امتدادًا لعقل الأمس ومواقفه من شتى الأمور، طالما أن الآلية التي يعمل بها بقيت ثابتة لا تتغير [23] ."

فهذه هي العلة لدى الكاتب وهو الالتزام بالآلية السلفية التي لا تتغير، فالثبات على المبدأ، والالتزام بالقيم هو نوع من الانهزامية التي يراها الكاتب، والمخرج لدى ـ الكاتب بزعمه ـ هو الخروج على هذه المسلمات، وكسر المبادئ والقيم التي قد تخلى عنها الناس إلا نحن، فيقول بهذيان عجيب:"المثقف العربي غالبًا ما لا يعيد النظر في مسلماته الفكرية، ملقيًا باللوم على كل شيء، إلا المسلمات ذاتها، وكل ذلك يأتي من باب الثبات على المبدأ، والإخلاص للمثل العليا التي تخلى عنها الجميع إلا هو بطبيعة الحال. وذلك يشكل، عند التحليل، نوعًا من آليات الدفاع عن الذات في وجه متغيرات تهدد بسلب دور الوصاية والتخويبة عنه [24] ."

فكل شيء جب أن يتغير كما يقول الكاتب:"كل شيء يتغير، ولا بد أن يتغير [25] "وكل هنا من ألفاظ العموم التي تشمل جميع الأفراد؛ فيدخل في ذلك كل القضايا الإنسانية من عقيدة وفكر وسياسة واجتماع واقتصاد … إلا إن الكاتب قد استثنى في موقع آخر من كتابه العقيدة فقال:"العلاقة بين الخالق والمخلوق فتنظيمها عقيدي عبادي ثابت، لأن مناط العقيدة والعبادة ثابت أبد الدهر لا يطرأ عليه تغير [26] ."وهذا حسن من الكاتب وإن كانت هدنة على دخن فهو لم يبرز ما هو مفهوم العقيدة لديه ، وكما أنه يقر أن العقيدة والعبادة وهي العلاقة بين العبد وربه لا بد فيها الثبات إلا إنه لم يلتزم بذلك في الشريعة فهو يرى أن الشريعة لا بد أن تكون متغيرة فيقول:"إن مضمونها العلمي ـ أي الشريعة ـ لا بد وأن يكون متغيرًا ومتحولًا تبعًا لتحولات الزمان والمكان [27] "ويا ليت شعري، كيف قرر الكاتب هذه القاعدة بأن الشريعة لا بد أن تتغير وتتحول؟ من أين أتى بهذه المقولة الزائفة؟ فهل في كتاب الله أو سنة رسوله أو أحد من العلماء المعتبرين من قال بذلك؟ ثم ما مدى هذا التغير والتحول؟ أم أن المسألة مطاطية ليس لها ضابط أوحد؟ ثم من هو الذي يقرر بتحول وتغير الشريعة هل هو نبي مرسل أم عالم أم مفكر أم سياسي؟ من له الحق بالتغيير والتبديل؟ ومن أين حصل على هذا الحق في تغيير الشريعة؟ وهل التغيير والتحويل يشمل النصوص الثابتة أم يلحق فقط القضايا الاجتهادية؟ فمن هو الذي يقرر المصلحة والمفسدة؟ أسئلة وإشكاليات كثيرة يتحتم على الكاتب إيجاد أجوبة لها حتى يثبت ما أدعاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت