فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 1226

ولكن يظهر أن الكاتب لن يبالي بذلك فهو يرى أن التقدم والتحديث لا يتم إلا بالتغريب كما يقول:"الحداثة ليست مجرد غشاء مادي؛ بل هي حالة عقلية إما أن تأخذ كلها أو تترك كلها، والتحديث عملية متكاملة، وغير ذلك هو المسخ [3] "فلقد وصل الكاتب مرحلة من الانهزامية، وفقدان للهوية، واستسلام مطلق للحداثة الغربية مما يجعله عاجزًا عن المقاومة ومحاولة النهوض والتحدي، فيقول:"لن تستطيع الثقافات التقليدية العريقة أن تفعل شيئًا، أمام هذه الثقافة المسلحة بوسائل وإمكانيات قادرة على اختراق الغرف المغلقة. [4] "

الكاتب والثقافة:

الكاتب يسعى إلى تمييع مفهوم الثقافة، وتجريد الأمة من خصوصيتها، وإذابة شخصيتها في ثقافة واحدة غربية المفهوم، علمانية التصور، مادية التوجيه. زاعمًا أن ثقافتنا من طبيعتها التعايش مع الثقافات الأخرى ولكن التشبث بها هو الذي ولّد التصادم، ولا استطيع أن أصف هذا القول إلا بالجهل والتضليل على القارئ، فإن من خصائص الثقافة الإسلامية أنها ثقافة استقلالية لا تقبل الترقيع والتمزيق، أو التمازج مع أي ثقافة أخرى مغايرة لها، فهي لها نظرتها الفريدة للكون والإنسان والحياة وتتميز بأنها ثقافة تعتمد على الوحي والإيمان بالغيب، ومحاولة إلغاء الفارق بيننا وبين الآخر هو مرفوض من كلا الثقافات، فالصراع والمواجهة لابد أن تستمر ما دامت الحياة كما يقول الله تعالى ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة: من الآية217) ولا يزالون مستمرون أبدًا في مقاتلتنا حتى نكفر ونتخلى عن ديننا وعقيدتنا وثقافتنا ونكون مثلهم، عند ذلك يرضون عنا ويتعايشون معنا كما قال الله تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120) فهل نتخلى عن ديننا حتى نكون ذو ثقافة عالمية؟!

ثم لا أدري لماذا هذه التبعية والإعجاب لثقافة الغرب، فهم والله وإن كانوا تقدموا علينا ماديًا وتقنيًا وإداريًا لا يعني ذلك سلامة منهجهم الثقافي، وصحة تصوراتهم العقدية. ولكنهم وفقوا في الأخذ بالسنن الكونية في التعامل مع الحياة، وسنن الله لا تحابي أحدًا ولا تتخلف عن فرد أو أمة أو جماعة من أخذ بها وعرف كيف يتعامل معها وفّق للصواب، فهي تسري على جميع الخلق. وتخلفنا اليوم نشأ عندما تركنا"فاتبع سببا"وأهملنا الأخذ بالسنن الطبيعية. فليس تخلفنا نتيجة خلل في ثقافتنا أو تصورنا للحياة والكون. وبروز الثقافة الغربية في العالم لا ينطلق من طبيعتها وذاتها وإنما يسند هذه الثقافة القوة السياسية والاقتصادية والإعلامية التي يملكها الغرب في نشر ما يريد. فثقافة الغرب سادت وانتشرت بعوامل مساعدة أخرى. وهذا خلاف الثقافة الإسلامية التي انتشرت في العالم بذاتها بدون أي مؤثرات خارجية وإنما بما تحمله في طياتها من حقيقة وصدق ووضوح وتكامل وتوازن شامل لجميع أشكال الحياة.

إن النظرة السطحية للثقافة الغربية والأخذ بالظاهر شكّل لدى بعض المثقفين انهزامية ثقافية، فالتقدم الحضاري دليل عند هؤلاء المثقفين على مصداقية الثقافة، وهذا التلازم خاطئ إذ أن الأمة قد تفصل أو تبعد عن مصدر التلقي لديها فيحدث التخلف، فالخلل ليس ناتجًا عن الثقافة الإسلامية وإنما عن عدم التطبيق لهذه الثقافة. وهذا مصدر البلاء أن يكون حكمنا على الإسلام هو تطبيق الفرد له وليس على ذات المنهج وطبيعته.

ومن هذه المنطلقات جعل الكاتب العقائد والأفكار من"الثقافة"، ولم يستثن من ذلك أي أمة على وجه الأرض؛ بل يسري ذلك التعريف على جميع الملل والنحل فيقول عن الثقافة بأنها:"مجمل العقائد التي تؤمن بها جماعة ما، وتمنح المعنى للأشياء من حولها، وما ينبثق عن ذلك من سلوك وعلاقات. [5] "ويقول أيضًا:"الثقافة بكل بساطة، هي فلسفة الجماعة ونظرتها إلى الوجود من حولها، فهي مجمل العقائد والقناعات المطلقة [6] التي تؤمن بها جماعة ما. [7] "ولم يقف الأمر عند هذا الحد بأن جعل العقيدة من"الثقافة"؛ بل استرسل الكاتب في مفهوم الثقافة ليجعلها من صنع ونسج الإنسان فيقول:"الثقافة، في نهاية التحليل، هي شبكة من المعاني والرموز والإشارات التي نسجها الإنسان بنفسه، لإعطاء الغاية والمعنى لنفسه وجماعته والعالم والكون من حوله. [8] "ويقول أيضًا:"تشبث الإنسان"بشبكة المعاني"التي نسجها بنفسه، يدفعه إلى منحها صفة السمو والقدسية في كثير من الأحيان، ناسيًا جيناتها الأولى، ومبتدأ أصلها، ويدفعه هذا التشبث بالتالي إلى الأحادية في تعامله مع ثقافته في مقابل ثقافات الآخرين، على أساس أنها هي وحدها التي تحمل"المعنى"وتحمل الغا!"

ية ببساطة، على أنها هي وحدها المتضمنة لحقيقة الوجود. [9] ""

وهذه المقولة من رقى إبليس والتي تصف أن الثقافة الإسلامية كالثقافات الأخرى التي تستمد ثقافتها بما أنتجه مثقوفها، وقرره فلاسفتها، فألبسوه لباس القدسية والسمو، ولا يعجب هذا الوصف من الكاتب للثقافة فهو ينطلق من مفهوم"ماكس فيبر"للثقافة، والتي هي مستوحاة من قول كفار قريش للرسول صلى الله عليه وسلم:"وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الفرقان:5) فقريش زعمت أن القرآن العظيم من نسج البشر. والتي استمد ماهيته ومبادئه وقيمه من أهل الكتاب، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم له خصوصية ، ناسيًا جيناتها الأولى وهي أن أصله من أهل الكتاب، الله أكبر، كيف تشابهت قلوبهم فقال مثل ما قالوا."

ثم إن تعجب فعجب قوله:"الثقافات ليست متصادمة بطبيعتها، ولكن التشبث المطلق بها وبرموزها، وما يحمله ذلك من إضفاء السمو والقدسية عليها، هو الذي يدفعها إلى التصادم. [10] "ثم يتمادى الكاتب في غيه مناديًا إلى العالمية معللًا ذلك بأن الثقافة الإنسانية مشتركة في بنودها وقيمها فهي:"إرثًا إنسانيًا مشتركًا وإيمانًا إنسانيًا عامًا . [11] "ويقصد بهذه الثقافة العالمية الديموقراطية كما فيقول:"الديموقراطية بصفتها مثلًا يسعى إليه وليس واقعًا معاشًا في كل أنحاء المعمورة. بصفتها تلك، فإن الديموقراطية اليوم أصبحت جزءًا من الثقافة العالمية المشتركة والذي يزداد الإيمان بقيمه يومًا بعد يوم. وهذا بذاته مؤشر كبير على مدى العالمية التي اكتسبها مفهوم الديموقراطية والمثل الديموقراطية. [12] "

الكاتب والديموقراطية:

حدّث ولا حرج عن إعجاب الكاتب بالديموقراطية الليبرالية فهو يرى أنها:"هي فعلًا اليوم أفضل نظام سياسي ممكن ابتكره الإنسان في التاريخ [13] "ثم لا يقف عند هذا الحد؛ بل يجعل ذلك من المسلمات التي لا تقبل الجدل فيقول:"لا مجال للنقاش في القول إن الحضارة في الغرب المعاصر هي أرقى ما توصل إليه الإنسان في تاريخه حتى هذه النقطة من الزمان، سواء تحدثنا عن المنجزات المادية البحتة، أو تلك المتعلقة بالنظم والمذاهب السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية [14] "

ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول، ونسأل الله أن لا يؤاخذنا بما قال السفهاء منا، فالدعوة إلى النظام الديموقراطي دعوة كفرية ، وردة شرعية. وقد قرر علماؤنا بكفر هذه الأنظمة، وكفر من يتبعها، يقول شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب:"من أعتقد أن هناك هديًا أفضل أو أكمل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أو متمم له فهذا كفر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت