فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 1226

ولنبدأ بذكر أقوال فضيلته في الموضوع المشار إليه حسبما جاء في الجريدة ، ثم نتبع ذلك بالمناقشة:

يقول عفا الله عنا وعنه ردًّا على سؤال الجريدة: (كيف ترى إصلاح الخلاف القديم بين الأزهر ودار الإفتاء ؟ ) ، يقول: (كانت هناك مشكلة في شأن من له حق الولاية الشرعية على الفتوى في مصر ، وأقول: إن هذه الولاية هي للمفتي وحده دون منازع ، وفتواه ملزمة ، وإن أخطأ فهو مسؤول أمام الله(سبحانه وتعالى) ، والعلاقة بين المفتي وشيخ الأزهر متصلة ومتشابكة إلا إن هناك اختصاصًا لكل منهما ، وشيخ الأزهر على قمة المؤسسة العلمية الأزهرية ، ومن وظائفها: البحث والاجتهاد ، لكنها لا تصدر فتاوى ، فهذه يصدرها المفتي ؛ لأنه صاحب الحكم الشرعي والولاية الرسمية على الفتوى) .

ويقول المفتي ردًّا على سؤال الجريدة: (لكن .. ألا ترون أن مثل هذا الخلاف الذي يمس أمورًا حياتية مثل: فوائد المصارف يثير بلبلة لدى الناس ؟ ) .

يقول: (الفتوى الرسمية قالت: إن الفوائد حلال ؛ لأنها مقبولة من الطرفين ، أما الرأي الآخر ، فكان اجتهادًا ، وتحويله إلى فتوى رغم وجود فتوى رسمية هو الذي خلق تلك البلبلة ، والرأي الملزم هو ما قال المفتي ، ونحن متمسكون بهذه الفتوى ، وأؤكد أن كل فتوى صدرت عن دار الإفتاء ملزمة للجميع) انتهى المقصود منه .

وأبادر إلى القول بأنه ليس من مقصودنا ولا يجوز لأحد أن يظن أننا في هذه المناقشة نريد الانتصار لشخص من الأشخاص ، إذ المقصود إن شاء الله هو الانتصار للدين ، وقد حان الآن وقت الشروع في مناقشة تلك الأقوال:

أولًا: إن فتوى المفتي هي إخبار عن أو بيان لحكم الشرع في القضية المعروضة [1] ، والمفتي في حديثنا هنا هو: من تأهل لهذا المنصب واستحقه بضوابطه المعروفة ، ولسنا نتحدث عن الأدعياء ، فهؤلاء خارجون عن حديثنا ، فنقول: لم يَقُمْ الدليل الشرعي على عصمة المفتي فيما يبلغه للناس أو يبينه من أحكام الشرع ، كما لم يقم الدليل الشرعي على وجوب التزام جميع المسلمين لما يفتي به ، إذ طبيعة عمل المفتي لا تقتضي ذلك الإلزام ولا توجبه .

يقول القرافي: (المفتي يجب عليه اتباع الأدلة بعد استقرائها ، ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص ، إن كان المفتي مجتهدًا) [2] ، ثم يبين أن فتواه ليست ملزمة للجميع ، ويجوز الفتوى بخلافها حتى وإن كان المفتي هو الإمام الأعظم ، فيقول: (النوع السادس: من تصرفات الحكام: الفتاوى في الأحكام في العبادات وغيرها من تحريم الأبضاع ، وإباحة الانتفاعة ! ، وطهارة المياه ، ونجاسة الأعيان ، ووجوب الجهاد ، وغيره من الواجبات ، وليس ذلك بحكم ، بل لمن لا يعتقد ذلك أن يفتي بخلاف ما أفتى به الحاكم أو الإمام الأعظم) [3] .

وفي هذا المعنى أيضًا يقول شيخ الإسلام (ابن تيمية) : (وما يجوز أن يحكم به الحاكم ، يجوز أن يفتي به المفتي بالإجماع ، بل الفتيا أيسر ، فإن الحاكم يُلزِم ، والمفتي لا يُلزم) [4] .

ويقول الشاطبي: (المفتي قد أقامه المستفتي مقام الحاكم على نفسه ، إلا إنه لا يُلزمه المفتي ما أفتاه به) [5] .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) في بيان ذلك: (قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله(سبحانه وتعالى) فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم- ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول -صلى الله عليه وسلم- ، حتى كان صدِّيق الأمة وأفضلها بعد نبيه يقول: (أطيعوني ما أطعت الله ، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم) [6] [7] .

من كل ما تقدم وغيره يتبين أن قول القائل: إن كل فتوى صدرت عن دار الإفتاء ، أو عن المفتي ، أو عن فلان ، هى فتوى ملزمة للجميع .. هو قول بيِّن الخطأ .

ثانيًا: أن المسلم لا يلزمه أن يقتصر في طلب الفتوى على مفتٍ واحد ، بل له أن يستفتي فيما ينزل به أكثر من مفتٍ ممن يثق في علمهم ودينهم و (اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان) [8] وإذا اختلفت فتوى المفتين عليه ، أخذ من تلك الفتاوى ما ترجح لديه منها بحسب قدرته .

يقول ابن تيمية في بيان ذلك: (وأما تقليد المستفتي للمفتي ، فالذي عليه الأئمة الأربعة ، وسائر أئمة العلم: أنه ليس على أحد ولا شُرع له التزام قول شخص معين في كل ما يوجبه ويحرمه ويبيحه إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، لكن منهم من يقول: على المستفتي أن يقلد الأعلم الأورع ممن يمكن استفتاؤه ، ومنهم من يقول: بل يخير بين المفتين ، [و] إذا كان له نوع تمييز فقد قيل: يتبع أي القولين أرجح عنده بحسب تمييزه ، فإن هذا أولى من التخيير المطلق ، وقيل: لا يجتهد إلا إذا صار من أهل الاجتهاد ، والأول أشبه ؛ فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين: إما لرجحان دليله بحسب تمييزه ، وإما لكون قائله أعلم وأورع: فله ذلك وإن خالف قوله المذهب) [9] .

ويقول ابن القيم: (فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر ، فهل يأخذ بأغلظ الأقوال ، أو بأخفها ، أو يتخير ، أو يأخذ بقول الأعلم ، أو الأورع ، أو يعدل إلى مفتٍ آخر ، فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها ، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه ؟ ، فيه سبعة مذاهب ، أرجحها السابع) [10] .

ولم يكن من هدي السلف الصالح استفتاء عالم بعينه دون نظرائه من العلماء ، والتزام أقواله كلها بحيث لا يخرج عنها ، فإن ذلك من البدع الحوادث ، كما ذكره ابن القيم [11] ، وابن عبد البر [12] ، وابن حزم [13] ، والشاطبي [14] ، وولي الله الدهلوي [15] ، والفُلاني [16] ، وسند بن عنان المالكي [17] ، ومحمد حياة السندي [18] ، والشوكاني [19] .

ومن هنا يتضح أن قول القائل: إن الولاية على الفتوى هي للمفتي وحده دون منازع ، وأن فتواه ملزمة هو تجنٍّ على الحق وتجاوز للحد ، وادعاء ما أنزل الله به من سلطان .

ثالثًا: أن الفتوى ليست حكرًا على طائفة معينة أو فرد ما ، بل كل من استجمع شرائط الفتوى المعتد بها ، حُقّ له أن يخبر عن أحكام الشرع ؛ إذ الإخبار عن أحكام الشرع وبيانها للناس هو من فروض الكفايات ، وليس لأحد أن يحصر الفتوى في فرد أو طائفة بحيث لا تصدر الفتوى إلا منه أو منهم ، ويمنع من الفتوى من هو مثلهم ممن تتحقق فيه شروط الفتوى ، أخرج الدارمي في سننه من حديث أبي كثير مالك بن مرثد أنه قال: (أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه ، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تُنْهَ عن الفتيا ؟ ، فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت عليّ ، لو وضعتم الصّمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها) [20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت