والقول الثالث هو الراجح لحديث أبي أمامة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من شفع لأخيه بشفاعة، فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا" ( 9) . فإذا كان قبول الهدية غير المشروطة ربًا فكيف إذا اشترط الجعل!.
وبالتأمل يتبين أن التحريم لا علاقة له بعقد القرض، وإنما حصل لمعنى خارج عن عقد القرض، وهو أخذ الجعل على الشفاعة والجاه.
النوع الثاني: المنافع غير المشروطة في القرض وأحكامها: وهي قسمان:
القسم الأول: المنافع المادية:
أ- المنافع المادية غير المشروطة عند الوفاء:
اتفق العلماء على تحريم الزيادة - في القدر أو الصفة - المشروطة في بدل القرض للمقرض، واختلفوا في حكمها إذا لم تكن مشروطة على أقوال، الراجح منها الجواز إذا كانت الزيادة على سبيل البر والمعروف، بل يستحب للمقترض ذلك، وهذا قول جماهير أهل العلم، سواء أعرف المقترض عند الناس بحسن القضاء أم لا، لما يأتي:
الدليل الأول: عن أبي رافع - رضي الله عنه - أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: «أعطه إياه إنّ خيار الناس أحسنهم قضاءً» (10 ) .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: استقرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سنًا فأعطى سنًا فوقه وقال: «خياركم محاسنكم قضاءً» (11 ) .
الدليل الثاني: عن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما- قال: «كان لي على النبي صلى الله عليه وسلم دين فقضاني وزادني، ودخلت عليه المسجد فقال لي صل ركعتين» (12 ) .
الدليل الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «أتى رجل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يسأله، فاستسلف له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم شطر وسق فأعطاه إياه. فجاء الرجل يتقاضاه فأعطاه وسقًا، وقال نصف لك قضاء، ونصف لك نائل من عندي» (13 ) .
وقد كان النبي معروفًا بحسن القضاء ومع ذلك لم يكن إقراضه محرمًا ولا مكروهًا.
ب- المنافع المادية غير المشروطة قبل الوفاء.
إذا بذل المقترض للمقرض منفعة غير مشروطة أثناء مدة القرض -قبل الوفاء-، مثل: الهدية للمقرض -وهي أكثر ما يمثل به الفقهاء-، ومثل الاستضافة، وركوب الدابة، والمساعدة على عمل من الأعمال، ونحو ذلك من المنافع التي قد يبذلها المقترض قبل الوفاء، فقد اختلف الفقهاء في حكمها إذا كانت من غير شرط، على قولين ، والراجح المنع إن كانت تلك المنافع من أجل القرض أوفي مقابله، أي من أجل أن يؤخر المقرض استيفاء القرض، أو يقرضه مرة ثانية ونحو ذلك، أو كانت عوضًا عن الانتفاع بالقرض؛ لئلا تتخذ ذريعة إلى تأخير السداد من أجل هذه المنافع فتكون ربا، حيث يعود للمقرض ماله وزيادة هذا النفع الذي حصل عليه بسبب القرض.
أما إن كانت تلك المنافع ليست من أجل القرض، مثل ما إذا كانت العادة جارية بينهما بذلك قبل القرض، أو حدث سبب موجب لهذه المنافع بعد القرض كالجوار و نحوه فإنه يجوز. ويدل على ذلك:
حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك » (14 ) ، كما أنه المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم.
القسم الثاني: المنافع المعنوية غير المشروطة في القرض
أ- شكر المقترض للمقرض ودعاؤه له.
هذه المنفعة التي تحصل للمقرض جائزة، بل يندب إليها في حق المقترض؛ لأنه من باب مقابلة المعروف بالمعروف، ومن باب مقابلة الإحسان بالإحسان. فيشكره المقترض ويدعو له، ويدل على ذلك ما يأتي:
الدليل الأول: عن عبداللّه بن أبي ربيعة - رضي الله عنه - قال: استقرض مني النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ألفًا، فجاءه مال فدفعه إليّ وقال: «بارك اللّه لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الحمد والأداء » ( 15) .
الدليل الثاني: عن عبداللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استعاذ باللّه فأعيذوه، ومن سأل باللّه فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» ( 16) .
ب- انتفاع المقرض بضمان ماله عند المقترض وحفظه حتى يسدده:
هذه منفعة أصلية في القرض لا إضافية، وهي من مقتضى عقد القرض وطبيعته لا تنفك عنه، فهي جائزة باتفاق؛ لأنه لا يمكن القول بمنعها وجواز القرض ، وإلى هذا المعنى أشار ابن حزم حيث قال: «ليس في العالم سلف إلا وهو يجر منفعة، وذلك انتفاع المسلف بتضمين ماله، فيكون مضمونًا تلف أو لم يتلف ...» .
جـ- انتفاع المقرض بشفاعة المقترض وجاهه.
فإذا أقرض الشخص لا لابتغاء الأجر والثواب والإرفاق بالمقترض، وإنما لتكون له يد عليه بحيث ينتفع من جاهه ومنصبه، أو من جاه ومنصب أقاربه، بشفاعة أو تيسير بعض أمور الدنيا فإن حكم الدين حكم الرشوة؛ لأن القرض بهذا القصد غيرتها، وعلى هذا فالقرض حرام، إلا أن يكون للمقرض حق لا يستطيع أخذه إلا بالقرض، أو ظلم لا يمكن دفعه إلا به جاز للمقرض وحرم على المقترض؛ لأنها بمثابة الرشوة للحصول على غرض ما.
ضوابط المنفعة في القرض.
بعد ما تقدم من بيان لأحكام المنفعة في القرض فإنه يمكن وضع ضابط للمنفعة المحرمة في القرض، وللمنفعة الجائزة، على النحو الآتي:
ضابط المنفعة المحرمة:
«كل قرض جر منفعةً زائدة (17 ) متمحضة ( 18) مشروطة للمقرض على
المقترض أو في حكم المشروطة فإن هذه المنفعة ربًا».
وعلى هذا فالمحرم من المنافع نوعان:
1-المنفعة الزائدة المتمحضة المشروطة للمقرض على المقترض، أو ما كان في حكم المشروطة.
2-المنفعة غير المشروطة التي يبذلها المقترض للمقرض من أجل القرض.
وأما ضابط المنفعة الجائزة فهو:
«كل منفعة في القرض متمحضة للمقترض، وكل منفعة مشتركة بين المقترض والمقرض إذا كانت منفعة المقترض أقوى، أو مساوية» .
مسألة: حكم قصد منفعة أصلية في القرض أو إضافية:
مثال المنفعة الأصلية: الإقراض بقصد حفظ المال وتضمينه.
ومثال المنفعة الإضافية: الإقراض مع اشتراط منفعة زائدة، كاشتراط الوفاء بزيادة على القرض.
إن موضوع القرض هو الإرفاق والمعروف، وهذا الأصل فيه، ولكنه ليس شرطًا لجواز القرض، وليس خروجه عن المعروف والإرفاق مناطًا للمنع، فإذا خرج عن المعروف فلا يلزم أن يكون ممنوعًا؛ إذ لا دليل على المنع حينئذ، بل قد جاء ما يدل على الجواز. وبذلك يتبين أن هذا الضابط وهو (القرض عقد إرفاق وقربة فمتى خرج عن باب المعروف امتنع) لا يسلم في جميع الصور، وإنما يسلم إذا كانت المنفعة محرمة، وأما إذا كانت جائزة فلا يمنع من القرض لهذا التعليل -والله أعلم-.
مسألة: الحيلة في أخذ المنفعة في القرض:
الحيلة لذلك لها عدة صور أهمها:
الصورة الأولى:
البيع بشرط أن البائع متى ما رد الثمن فإن المشتري يعيد إليه المبيع.
وذلك مثل: أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذه الدار بشرط أن تردها إليّ متى ما رددت إليك الثمن