فهرس الكتاب

الصفحة 616 من 1226

* قال الحافظ بن حجر رحمه الله في فتح الباري: ( وفيها مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة ، وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الاوزاعي ، ووقع ذلك لجماعة من العلماء ، ومما عرف بالتجربة أن مَن باهل , وكان مبطلًا , لا تمضى عليه سنة من يوم المباهلة ، ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة ، فلم يقم بعدها غير شهرين ) انتهى

* وقد ذكر ابنُ إسحاق في السيرة سبب النزول بأطول مما رواه الشيخان وغيرهما , قال: وَكَانَ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْمُبَاهَلَة وَمَا قَبْلهَا مِنْ أَوَّل السُّورَة إِلَى هُنَا فِي وَفْد نَجْرَان: أَنَّ النَّصَارَى لَمَّا قَدِمُوا فَجَعَلُوا يُحَاجُّونَ فِي عِيسَى , وَيَزْعُمُونَ فِيهِ مَا يَزْعُمُونَ مِنْ الْبُنُوَّة وَالإِلَهِيَّة , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي صَدْر هَذِهِ السُّورَة رَدًّا عَلَيْهِمْ .

وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَان , سِتُّونَ رَاكِبًا , فِيهِمْ أَرْبَعَة عَشَر رَجُلًا مِنْ أَشْرَافهمْ .

وَأَمْرُ هَؤُلاءِ يَئُولُ إِلَى ثَلاثَةٍ مِنْهُمْ ؛ وَهُمْ الْعَاقِبُ , وَكَانَ أَمِيرَ الْقَوْم وَذَا رَأْيهمْ وَصَاحِبَ مَشُورَتِهمْ وَاَلَّذِي لا يَصْدُرُونَ إِلا عَنْ رَأْيه , وَالسَّيِّدُ , وَكَانَ عَالِمَهمْ وَصَاحِبَ رَحْلِهمْ وَمُجْتَمَعِهمْ , وَأَبُو حَارِثَة بْن عَلْقَمَة , وَكَانَ أُسْقُفَهمْ صَاحِبَ مُدَارَسَتهمْ , وَكَانَ رَجُلًا مِنْ الْعَرَب مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِل , وَلَكِنَّهُ تَنَصَّرَ , فَعَظَّمَتْهُ الرُّوم وَمُلُوكهَا وَشَرَّفُوهُ , وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِس , وَأَخْدَمُوهُ , لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ صَلابَته فِي دِينهمْ , وَقَدْ كَانَ يَعْرِف أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتَه وَشَأْنَه مَا عَلِمَهُ مِنْ الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة , وَلَكِنْ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الاسْتِمْرَارُ فِي النَّصْرَانِيَّة لِمَا يَرَى مِنْ تَعْظِيمِه فِيهَا وَجَاهه عِنْد أَهْلهَا .

فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ , قَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أَسْلِمَا". قَالا: قَدْ أَسْلَمْنَا . قَالَ:"إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فَأَسْلِمَا". قَالا: بَلَى قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلك . قَالَ:"كَذَبْتُمَا , يَمْنَعكُمَا مِنْ الإسلام اِدِّعَاؤُكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا وَعِبَادَتكُمَا الصَّلِيب وَأَكْلكُمَا الْخِنْزِير". قَالا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّد ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا , فَلَمْ يُجِبْهُمَا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهمْ وَاخْتِلافِ أَمْرهمْ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَان إِلَى بِضْع وَثَمَانِينَ آيَة مِنْهَا , ثُمَّ تَكَلَّمَ اِبْنُ إِسْحَاق عَلَى تَفْسِيرهَا - إِلَى أَنْ قَالَ -: فَلَمَّا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَر مِنْ اللَّه وَالْفَصْل مِنْ الْقَضَاء بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ , وَأُمِرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلاعَنَتهمْ أَنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ , دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ , فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِم ! دَعْنَا نَنْظُر فِي أَمَرْنَا , ثُمَّ نَأْتِيك بِمَا نُرِيد أَنْ نَفْعَل فِيمَا دَعَوْتنَا إِلَيْهِ , ثُمَّ اِنْصَرَفُوا عَنْهُ , ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ , وَكَانَ ذَا رَأْيهمْ , فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمَسِيح ! مَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ ! يَا مَعْشَر النَّصَارَى , لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ , وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفَصْلِ مِنْ خَبَر صَاحِبِكُمْ . وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ , فَبَقِيَ كَبِيرهمْ , ولا نَبَتَ صَغِيرهمْ , وَإِنَّهُ للاسْتِئْصَال مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ , فَإِنْ كُنْتُمْ أَبَيْتُمْ إِلا إِلْفَ دِينكُمْ والإقامة عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْل فِي صَاحِبكُمْ , فَوَادِعُوا الرَّجُلَ , وَانْصَرِفُوا إِلَى بِلادكُمْ . فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِم ! قَدْ رَأَيْنَا أَنْ لا نُلاعِنَكَ , وَنَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ , وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا , وَلَكِنْ اِبْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابك , تَرْضَاهُ لَنَا , يَحْكُمُ بَيْننَا فِي أَشْيَاء اِخْتَلَفْنَا فِيهَا فِي أَمْوَالنَا , فَإِنَّكُمْ عِنْدنَا رِضَا . قَالَ مُحَمَّد بْنُ جَعْفَر: فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اِئْتُونِي الْعَشِيَّة , أَبْعَث مَعَكُمْ الْقَوِيّ الأَمِين ) . ثم ذكر ابنُ اسحق بقيّةَ القصة ، وذكرتها هنا مختصرة . نقلًا عن تفسير ابن كثير رحمه الله ."

* وقال العلامة الآلوسي في روح المعاني: ومَن ذهب إلى جواز المباهلة إلى اليوم على طرز ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم , استدل بما أخرجه عبدُ بنُ حُميدٍ عن قيس بن سعد أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان بينه وبين آخر شيء , فدعاه إلى المباهلة , وقرأ الآية , ورفع يديه , فاستقبل الركن , وكأنه يشير بذلك إلى كيفية الابتهال , وأن الأيدي ترفع فيه ، وفيما أخرجه الحاكم تصريح بذلك , وأنها ترفع حذو المناكب . انتهى , والله أعلم .

كما سبق لي جواب على سائل سأل عن مناظرة أهل الضلال جاء فيه:

الحمد لله , والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه , وبعدُ:

الواجب في مَن يتصدّى لدعوة أهل الضلالة والبدعة ، أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة ومذهب أهل السنة والجماعة ، وبمذهب الخصم ، بقدرٍ كافٍ يؤهله للمناظرة ، وأن يكون عارفًا أيضًا بضوابط المناظرة ، وعليه من لباس التقوى ما يحمله على قصد الثواب لا الرياء والسمعة ، ويلجمه عن قول الباطل أو اتّباع الهوى ، وأن يكون ذا فصاحة وبيان , قادرًا على تجلية الحقّ في صورةٍ مفهومةٍ لا لبس فيها .

ولا ينبغي أن يقدم المناظر على مناظرة ذي هيبة يخشاه ، ولا وهو مشغول البال ، مشوش الذهن .

وإن لَم تكن المناظرةُ في مسألةٍ معينة , فالواجبُ أن يبدأ بالأصول التي يقوم عليها مذهبُ المخالف ، فينقضها ، ولا ينشغل بإبطال الفروع قبلها .

هذا وينبغي أن يعلم أن الجدال وسيلة متأخرة في الرتبة في مجال الدعوة الإسلامية ، ولهذا أخره اللهُ تعالى في قوله: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) ، ولَم يستعمل النبي صلى الله عليه سلم في دعوته الجدال إلا قليلًا ، بالنسبة إلى مجمل دعوته صلى الله عليه وسلم .

ذلك أن الحقّ الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أبلج ، له منار ظاهر ، ونور باهر ، فإذا نشر في الناس ، وسمعوه كما أنزل ، هدى اللهُ تعالى به مَن شاء من عباده ، ففتح به قلوبًا غلفًا ، وأبصارًا عميًا ، وأذانًا صمًا .

فإن احتيج إلى الجدال ، فلا بأس أن يكون بالتي هي أحسن ، كما قال تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) هذا في اليهود والنصارى ، فكيف بأهل القبلة الذين ضلوا عن السنة ، إلا من ظلم واعتدى ، فذاك له مقام آخر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت