فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 1226

إن تسارع الأحداث وتداخل المصالح يفرض على القوى الوطنية العربية والإسلامية أن تسير في محاور متعددة وبآن واحد . أما ترتيب الأولويات فستفرضها طبيعة المعركة القادمة وأهل مكة أدرى بشعابها . المحور الأول هو محور المقاومة المسلحة للاحتلال والعدوان ، وهذا أمر متروك لأهل الغيرة والحمية . المحور الثاني هو محور التعبئة والحشد الجماهري . إن حزب أمريكا لا يجمعهم إلا المصلحة الآنية والكسب السريع ، أما قادتهم فهم من المغامرين ، الذين استحوذ عليم حب الرياسة وشهوة السلطان ، أما أتباعهم فهم من طلاب الجعالة وأحلاس الوظائف ، أما الجوارح التي يبطشون بها فهو جيش الاحتلال . أمام هذا اللفيف ، غير المقرون ، والذي يفتقد أبسط مؤهلات القيادة والحس الوطني ؛ يقف الشعب العراقي بكل تطلعاته نحو عراق مستقل يأخذ أبناؤه زمام المبادرة والعمل الحضاري البناء . لقد أثبتت الأيام الأولى للاحتلال أن البنية الحضارية العراقية الأصيلة هي الملاذ الأخير القادر على مجابهة الفتن والكوارث ، فمؤسسات المجتمع المدني العصرية ، هي في حقيقة الحال بيوت كرتونية ، تتداعى مع أول نفخة ريح عاتية ، هذا إذا وجدت ، وقد يكون وجودها على الورق فقط ، أو مجرد مصطلح يتبضع أصحابه في أسواق وحوانيت الإعلام . عندما عمت الفوضي والهلع والنهب والسرقة ، لم يجد المواطن العراقي ملاذًا آمننًا إلا المساجد ودور العبادة ، ولم يجد من يثق بهم إلا أهل التقوى والعلم ، الذين يحاول أهل الحداثة والعصرنة تهميشهم . لقد كان المسجد ودور العباد المرسى للسفينة العراقية التي تقاذفتها أمواج الفتنة والفوضي . إن البنية الأسرية التقليدية ، التي لم تهرع إلى وسائل الاعلام ، تشكوا بؤسها وتندب حظها ، بل حملت مالحق بها من ظلم وطغيان بصبر عجيب ومروءة وعزة ، كانت الملاذ الآخر للشعب العراقي ، ثم تلاها ملاذ القبيلة وصلة الرحم المتجذرة في الشعب العراقي وفي اعماق بنيته الحضارية ، هذا بالإضافة إلى مرؤءات فردية نادرة . من هنا كان الانطلاق نحو بناء إرادة الصمود ، لتقديم بديل وقور للخضوع الذليل . اليوم والشعب العراقي يجابه عملية سطو همجية على إرادته من قبل حزب أمريكا ، نرى لزامًا علينا أن نضارع أيام الاحتلال الأولى من جديد ، لنجد إلى جانب استمرار المقاومة ووجوب دعمها ، أن على القوى الوطنية أن تقدم البديل وتجمع أهل الحمية والنخوة على على قائمة انتخابية ، تمثل العراق من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الغرب إلى أقصى الشرق ، الأحزاب الإسلامية الكردية وأهل الفضل والمروءة من الكرد مع إخوانهم العرب والتركمان شيعة وسنة ، يتقدمهم أهل الفضل ممن يطمئن الشعب إليهم ويرى فيهم القوة والأمانة . إن من ضرورات الحشد ؛ العودة إلى تقاليد العشيرة والقبيلة الأصيلية ، والتعامل معها كما تعامل رسول الله (ص) مع قبائل العرب . أن نحترم سراتها ومن ترتضيه ناطق بأسمها ، خاصة وأن سراة القبائل تلقوا من العلم والمعرفة ما يؤهلهم لإدارة دولة عصرية حديثة . القبائل هي في حقيقة الحال من مؤسسات المجتمع المدني ، بل أقدر من مؤسسات المجتمع المدني الحديثة على إيجاد تسويات مقبولة للخصومات والخلافات التي قد تنشب بين الناس . إن المسجد والأسرة والعشيرة والقبيلة وصلات الرحم المتعددة بنية يعتد بها في مجابهة الأزمات وأكبر دليل على ذلك ما أنجزه الشعب الفلسطني من لحمة وترابط مكنته من الصمود والتشبث بالأرض والحق الفلسطيني . إن مؤسسات المجتمع المدني الحديثة صورية وغير قادرة أن تدافع وتصد العدوان عن مكتسبات العمال والفقراء والمساكين ، حتى النقابات أبدت عجزًا واضحًا في الدفاع عن حقوق العمال ، التي تنهب كل يوم من قبل قادة العولمة ، حتى في الدول الغربية ذات التقاليد النقابية العريقة .

المحور الثالث هو المحور السياسي . إن إقامة نظام نيابي تعددي يمثل إرادة الأمة ؛ هو هدف استراتيجي يجب أن تسعى إلية القوى الوطنية العربية والإسلامية ، وهو الصيغة العصرية لولاية الأمة في الشأن السياسي وتنزيل الآية الكريمة"وأمرهم شورى بينهم"على الواقع السياسي والاجتماعي تنزيلًا يضارع الواقع القائم ، لستبعاد الاستبداد والتفرد بالرأي . إن هناك فرق واضح بين رجل السياسة ، ورجل الفكر أو الفلسفة أو الفقه ، إن السياسي الحصيف هو الذي: يأخذ من هؤلاء جميعًا ويعيد صياغته بشكل حسي عملي لا تخطئه أفهام العامة ، ويكون لها دليل عمل وفعل ، لهذا يجب على القيادة الوطنية في العراق أن تحزم أمرها في المرحلة القادمة وتقدم البديل الوطني في مقابل حزب أمريكا وجلاوزة الاحتلال . إننا ندعوا سراة العشائر والقبائل العراقية العربية والكردية والتركمانية إلى تعاون أوثق مع هيئة علماء المسلمين الأفاضل التي يرأسها الشيخ حارث الضاري ، وكذلك مع إخواننا علماء الشيعة الذين يتقفون خطى الإمام علي ( رضي الله عنه ) ، الذي يمثلهم الشيخ جواد الخالصي ، حفظه الله ، ليتمكن الساسة العراقين ، من عرب وكرد وتركمان وأشورين وكلدان ، من تقديم قائمة انتخابية مشتركة تراعي التوزيع السكاني في المحافظات العراقية شمالًا وجنوبًا شرقًا وغربًا ، وتعطي كل ذي حق حقه ، وتضع وراء ظهرها العقلية الحزبية الضيقة والتناحر على الصغائر ، وكل متاع الدنيا صغائر ، وتجعل كل فقهها وعلمها في خدمة الإنسان العراقي المعذب . المواطنة العراقية هي المدخل إلى المساوات بالحقوق والواجبات ، أما الخصوصيات العرقية أو الدينية أو الطائفية فهذا شأن المتبضعين في أسواق الخصوصيات لتحقيق مآربهم الأنانية . المسلم مطالب بالعدل بين الناس في الشأن العام ومتاع الحياة الدنيا ، وكلما اقترب من العدل اقترب إلى تقوى الله وعمل لآخرته . إن من ضروريات العمل السياسي الميداني ، أن تقدم القوى الوطنية العربية والإسلامية قائمة انتخابية موحدة من 275 مرشحًا على الأقل ، موزعة على محافظات القطر بالعدل والقسط ، وتعمل على تعبئة القوى الوطنية ، وكأن الانتخابات ستجري في موعدها المحدد ووفق أدق المعاير الدولية ، وتبقي الباب مفتوحًا للانسحاب ومقاطعة الانتخابات عندما تتوفر القرائن المادية الدامغة لعملية السطو"المبيته"كما نعتقد . ليس لمجرد إحراج وفضح حزب أمريكا فحسب ، ولكن لتقديم بديل سياسي وطني يضطلع بالشأن السياسي في مسيرة التحرير التي قد تطول ، لا سمح الله . إن الإعلان عن مقاطعة الانتخابات تحت كابوس الاحتلال من قبل القوى الوطنية اجتهاد سلبي ، قد يستفيد منه حزب أمريكا ، وهو اجتهاد قد تتبناه وتأخذ به النخب المسيسية وأولو العزم من الناس دون العامة ، ولكن الهدي النبوي يأمرنا أن نسير على خطى الضعيف منا ، هذا في مجال الخروج لملاقاة العدو ، وهو يصح في مجال السياسة وجدليتها ، فالناس تجد السير ولا تخطئ الطريق عندما تصبح البينة حسية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت