فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 1226

الحق ومزع البركة ، كما قال الله - تعالى -:[ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ

وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ ] ( البقرة: 276 ) . قال ابن كثير - رحمه الله -

تعالى:( أي لا يحب كفور القلب ، أثيم القول والفعل ، ولا بد من مناسبة في ختم

هذه الآية بهذه الصفة وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال ، ولا

يكتفي بما شرع له من الكسب المباح ، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل

بأنواع المكاسب الخبيثة فهو جحود لما عليه من النعمة ، ظلوم آثم بأكل أموال الناس

بالباطل ) [8] .

4-أن الربا مخل بالإيمان:

كل معصية تخل بإيمان العبد ، وعلى قدر المعصية يكون اختلال الإيمان ؛ إذ

إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما هو مذهب السلف الصالح وأتباعهم

بإحسان ، وقد قال الله - تعالى - في شأن الربا:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ

وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ] ( البقرة: 278 ) ، قال القاسمي - رحمه

الله تعالى - ( فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان ) [9] .

ولذا كان المتعامل حقيقًا باللعن والطرد من رحمة الله تبارك وتعالى . قال

جابر - رضي الله عنه -:( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الربا وموكله

وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء ) [10] .

5-أنه من المهلكات للأفراد والأمم:

أما الأفراد فقد عدّ النبي صلى الله عليه وسلم الربا من التسع الموبقات [11] ،

ثم عده في السبع الموبقات [12] التي حذر منها وأمر باجتنابها .

وأما على مستوى الأمم فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه: ما ظهر في قوم

الربا والزنا إلا أخلوا بأنفسهم عقاب الله [13] ، وكفى بذلك زاجرا عنه للأمم التي تود

المحافظة على اقتصادها ، وتخشى الكوارث والنوازل .

6 -الربا أعظم إثمًا من الزنا:

ورد في السنة النبوية أحاديث كشفت حقيقة تلك الجريمة النكراء ، وأبانت

بشاعتها وقبحها بما يردع كل مؤمن بالله - تعالى - والدار الآخرة عن مقاربتها بله

مقارفتها ؛ ومنها حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه

وسلم قال:( الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى

الربا عرض الرجل المسلم ) [14]

وكذا حديث عبد الله بن حنظلة - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم:( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين

زنية ) [15] .

قال الشوكاني - رحمه الله تعالى -:( وله: أشد من ست وثلاثين ... إلخ

يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي ؛ لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا

هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور ، بل أشد منها ؛ لا شك أنها قد

تجاوزت الحد في القبح ) [16]

ومن نظر في هذين النصين وشواهدهما من السنة النبوية تبين له أن قليل

الربا أعظم من كثير الزنا ، مع ما في الزنا من فساد الدين والدنيا ؛ حيث سماه

الله - تعالى - فاحشة وساء سبيلا ، ونهى عن الاقتراب منه كما قال - تعالى -:

[ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ] ( الإسراء: 32 ) ، وحرمت

الشريعة الطرق المفضية إليه ، وسدت الذرائع الموصلة له ، وفيه خيانة كبرى

لزوج المزني بها ووالديها وأسرتها ، ويؤدي إلى فساد الأخلاق وارتفاع الحياء ،

واختلاط الأنساب ، وفشو الأمراض ، وحصول الشكوك ، وتبرؤ الزوج من نسبة

ابن زوجته الزانية وملاعنتها على ذلك ، وربما حصل عنده شك في أولاده من

زوجته قبل زناها إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة التي استوجبت أن يكون حد

الزناة المحصنين الرجم بالحجارة حتى الموت .

وحد غير المحصنين الجلد والتغريب ، ورد شهادتهم ووصفهم بالفسق إلا أن

يتوبوا ، ومصيرهم في البرزخ إلى تنور مسجور تشوي فيه أجسادهم .

رغم ما تقدم كله فإن الدرهم من الربا أعظم من ست وثلاثين زنية ؛ فإذا كان

هذا في درهم واحد فكيف بحال من يأكلون الألوف من الربا بل الملايين والمليارات ؟

وكم هي خسارة من أسس تجارته على الربا ، ومن كان كسبه من فوائد الربا

الخبيثة ، ومن كانت وظيفته كتابة الربا ، أو الدعاية له ، أو حراسة مؤسسته ؟

وما هو مصير جسد ما نبت إلا ما نبت إلا من ربا ، وأولاد ما أطعموا إلا من

كسبه الخبيث وما غٌذّيت أجسادهم إلا عليه ، فما ذنبهم أن تبنى أجسادهم بالسحت ؟

الصلة بين الربا والزنا:

إن المتأمل للحديثين السابقين وما في معناهما يجد أن ثمة علاقة وثيقة بين

جريمتي الربا والزنا ، وأن الربا أشد جرمًا من الزنا ؛ فما هو السر في ذلك يا ترى ؟

إن الذي يظهر لي - والعلم عند الله تعالى - أن من أهم أسباب انتشار الزنا

في الأمم تعامل أفرادها بالربا ، ودرهم الربا ضرره على الأمة كلها ، أما الزنا

فضرره مقصور على الزاني والزانية وأسرتها وولدها ولا يتعدى ذلك في الغالب إذا

لم يكن ثمة مجاهرة به ، وإقرار له [17] .

إن الطبقية التي يصنعها الربا بين أبناء الأمة الواحدة ، والفجوة بين الفقراء

والأغنياء التي تزداد اتساعًا وانتشارًا كلما تعامل الناس بالربا تجعل الفقير لكما

اقترض تضاعفت ديونه ، وازداد فقره وأشتد جوعه ؛ حتى يٌضعٍفَ الفقر والجوع

والحاجة غيرته على عرضه ، فلا يأبه إن زنت محارمه إذا كان من وراء ذلك عائد

مالي يقلل فقره ويشبع بطنه . وما زنت الزانية المحتاجة أول ما زنت إلا لما جاع

بطنها ، وصاح رضيعها واحتاج أهلها ، ولربما أمرها وليها بالزنا - عوذًا بالله -

من أجل أن تطعم أسرتها . وإذا انكسر حياؤها مرة فلن ينجبر أبدًا حتى تتخذ الزنا

مهنة لها إلا أن يشاء الله تعالى ؛ والواقع يشهد ذلك في كل البلاد التي عمّ فيها الربا ،

وزال من أفرادها الإحسان ؛ حتى أصبح المال في أيدي عدد قليل من عصابات

المرابين ، وأما بقية الناس فيغرقون في ديونهم ، ويموتون جوعًا وفقرًا . فالربا ليس

سببًا في وقوع الزنا فحسب ؛ بل هو سبب لانتشاره في الأمم ، وإذا كان الزنا

جريمة أخلاقية ؛ فإن الربا جريمة أخلاقية مالية تجر إلى كوارث عدة من انتشار

البطالة والفقر والجوع والأحقاد بين أبناء الأمة الواحدة .

7-المتعامل بالربا يُعذَّب في قبره وعند نشره:

الربا من المعاملات التي أجمعت الشرائع السماوية كلها على تحريمه ، الآخذ

والمعطي فيه سواء .

وآكل الربا يٌبعث يوم القيامة وهو يتخبط في جنونه كما قال - تعالى -:

[ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ]

( البقرة: 275 ) .

قال سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى -:( بعث آكل الربا يوم القيامة

مجنونًا يخنق ) [18] ، وقال وهب بن منبه: ( يريد أن بُعث الناس من قبورهم

خرجوا مسرعين لقوله:[ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ

يُوفِضُونَ ] ( المعارج: 43 ) ، إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم

الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا ، فأرباه الله في

بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم ، فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الإسراع ولا

يقدرون [19] .

ويشهد لهذا المعنى حديث مرفوع فيه ضعف عن أبي هريرة - رضي الله

عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أتيت ليلة أسرى بي على

قوم بطونهم كالبيوت فيها حيات تُرى من خارج بطونهم ؛ فقلت: من هؤلاء يا

جبريل ؟ قال: هؤلاء أكلةُ الربا ) [20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت