فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 1226

« كنت أبيع الإبل بالبقيع: أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير . فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: لا بأس به إذا كان بسعر يومه ولم تفترقا وبينكما شيء » (1) فلا يدخل في بيع الذهب بالورق دينا ؛ لأن النهي بقبض الدراهم عن الدنانير لم يقصد إلى التأخير في الصرف قاله ابن بطال ، واستدل بقوله (مثلا بمثل ) على بطلان البيع بقاعدة مد عجوة ؛ وهو أن يبيع مد عجوة ودينارا بدينارين مثلا ، وأصرح من ذلك في الاستدلال على المنع حديث فضالة بن عبيد عند مسلم في رد البيع في القلادة التي فيها خرز وذهب حتى تفصل أخرجه مسلم . وفي رواية أبي داود فقلت إنما أردت الحجارة ، فقال: لا ؛ حتى تميز بينهما .

(1) سنن الترمذي البيوع (1242) ,سنن النسائي البيوع (4582) ,سنن أبو داود البيوع (3354) ,سنن الدارمي البيوع (2581) .

باب بيع الدينار بالدينار نساء:

حدثنا علي بن عبد الله حدثنا الضحاك بن مخلد حدثنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أن أبا صالح الزيات أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم فقلت له: فإن ابن عباس لا يقوله . فقال أبو سعيد: سألته فقلت سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم أو وجدته في كتاب الله ؟ قال كل ذلك لا أقول ، وأنتم أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم مني ، ولكن أخبرني أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا ربا إلا في النسيئة » (1) .

قوله ( باب بيع الدينار بالدينار نساء) بفتح النون المهملة والمد والتنوين منصوبا . أي مؤجلا مؤخرا يقال أنساه نساء ونسيئة . قوله ( الضحاك بن مخلد) هو أبو عاصم شيخ البخاري وقد حدث في مواضع عنه بواسطة كهذا الموضع . قوله ( سمع أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم) كذا وقع في هذه الطريق . وقد أخرجه مسلم من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار فزاد فيه ( مثلا بمثل) من زاد أو ازداد فقد أربى ) قوله ( أن ابن عباس لا يقوله) في رواية مسلم ( يقول غير هذا ) . قوله

(1) صحيح مسلم المساقاة (1596) ,سنن النسائي البيوع (4580) ,سنن ابن ماجه التجارات (2257) ,مسند أحمد بن حنبل (5/209) ,سنن الدارمي البيوع (2580) .

(فقال أبو سعيد سألته) في رواية مسلم ( لقد لقيت ابن عباس فقلت له ) . قوله ( فقال كل ذلك لا أقول) بنصب ( كل) على أنه مفعول مقدم ، وهو في المعنى نظير قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ذي اليدين ( كل ذلك لم يكن ) فالمنفي هو المجموع . وفي رواية مسلم ( فقال لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا وجدته في كتاب الله عز وجل ) ولمسلم من طريق عطاء أن أبا سعيد لقي ابن عباس فذكر نحوه وفيه ( فقال كل ذلك لا أقول ) أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتم أعلم به ، وأما كتاب الله فلا أعلمه ) أي لا أعلم هذا الحكم فيه . وإنما قال لأبي سعيد أنتم أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم مني لكون أبي سعيد وأنظاره كانوا أسن منه وأكثر ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي السياق دليل على أن أبا سعيد وابن عباس متفقان على أن الأحكام الشرعية لا تطلب إلا من الكتابة والسنة . قوله (لا ربا إلا في النسيئة ) في رواية مسلم (الربا في النسيئة ) وله من طريق عبيد الله بن أبي يزيد وعطاء جميعا عن ابن عباس ( إنما الربا في النسيئة) زاد في رواية عطاء ( ألا إنما الربا) وزاد في رواية طاوس عن ابن عباس (لا ربا فيما كان يدا بيد ) وروى مسلم من طريق أبي نضرة قال ( سألت ابن عباس عن الصرف فقال: أيدا بيد قلت: نعم قال: فلا بأس . فأخبرت أبا سعيد فقال: أو قال ذلك سنكتب إليه فلا يفتيكموه) وله من وجه آخر عن أبي نضرة ( سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا ، فإني لقاعد عند أبي سعيد فسألته عن الصرف فقال: ما زاد فهو ربا . فأنكرت ذلك لقولهما ، فذكر الحديث قال( فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه) .

والصرف بفتح المهملة: دفع ذهب وأخذ فضة وعكسه .

وله شرطان:

منع النسيئة مع اتفاق النوع واختلافه وهو المجمع عليه ، ومن التفاضل في النوع الواحد منهما وهو قول الجمهور . وخالف فيه ابن عمر ثم رجع وابن عباس واختلف في

رجوعه . وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية ( سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا بعين يدا بيد . وكان يقول: إنما الربا في النسيئة ، فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث وفيه: « التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدا بيد مثلا بمثل ، فمن زاد فهو ربا » (1) فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه . فكان ينهى عنه أشد النهي ) .

واتفق العلماء على صحة حديث أسامة . واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد فقيل منسوخ ، ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال ، وقيل المعنى في قوله (لا ربا) الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره . وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل ، وأيضا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم . فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدم والله أعلم .

وقال الطبري: معنى حديث أسامة لا ربا إلا في النسيئة) إذا اختلفت أنواع البيع والفضل فيه يدا بيد ربا جمعا بينه وبين حديث أبي سعيد .

(تنبيه) : وقع في نسخ الصغاني هنا (قال أبو عبد الله ) يعني البخاري ( سمعت سليمان بن حرب يقول: لا ربا إلا في النسيئة ، هذا عندنا في الذهب بالورق والحنطة بالشعير متفاضلا ، ولا بأس به يدا بيد ولا خير فيه نسيئة) قلت: وهذا موافق . وفي قصة أبي سعيد مع ابن عمر ومع ابن عباس أن العالم يناظر العالم ويوقفه على معنى قوله ويرده من الاختلاف إلى الاجتماع ، ويحتج عليه بالأدلة وفيه إقرار الصغير للكبير بفضل التقدم .

(1) صحيح مسلم المساقاة (1584) ,سنن النسائي البيوع (4565) ,مسند أحمد بن حنبل (3/50) .

باب بيع الورق بالذهب نسيئة:

حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة قال أخبرني حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت أبا المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم عن الصرف ، فكل واحد منهما يقول: هذا خير مني ، فكلاهما يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينا ) .

قوله (باب بيع الورق بالذهب نسيئة) البيع كله إما بالنقد أو ( بالعرض ) حالا أو مؤجلا ، فهي أربعة أقسام: فبيع النقد إما بمثله وهو المراطلة ، أو بنقد غيره وهو الصرف . وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنا والعرض عوضا ، وبيع العرض بالعرض يسمى مقايضة . والحلول في جميع ذلك جائز ، وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرا فلا يجوز ، وإن كان العرض جاز ، وإن كان العرض مؤخرا فهو السلم ، وإن كانا مؤخرين فهو بيع الدين بالدين وليس بجائز إلا في الحوالة عند من يقول إنها بيع ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت