فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 1226

التمويل معدلا عائما للفائدة كما هو المتبع بصفة عامة في الوقت الحاضر . وبصعوبة القيام باستثمارات طويلة الأجل فإن الاستثمار في النهاية يعاني من هبوط الإنتاجية ، وانخفاض معدل النمو ، ومن المعروف أنه عندما ارتفعت معدلات الفائدة في السبعينات هبطت نسبة إجمالي الاستثمار الثابت المحلي إلى إجمالي الناتج الوطني في البلدان الغربية ، كما انخفض النمو الدولي انخفاضا كبيرا في كل مكان عما كان عليه في العقود التي أعقبت الحرب العالمية مباشرة ، ومن المعترف به أن الأداء الاستثماري الأفضل هو مفتاح النمو الأسرع ، ومع الأسف فإن خفض معدل الفائدة ليس علاجا ناجحا لهذه الحالة لأن ذلك لا يزيل حالة الشك في المستقبل ، لا سيما إذا أخذ في الاعتبار العجز المرتفع المتكرر في موازنات بعض الدول الصناعية الرئيسية .

إن ما تقدم يمكن أن يعتبر اختصارا مخلا لما ورد في الكتاب ، ولكن لعله يكون كافيا لإقناع القارئ بهذه الفرضية: إننا ننساق مع الوهم إلى حد كبير حينما نظن أن تبني الاقتصاد الرأسمالي نظام ( الفائدة الربوية ) هو سبب ازدهار هذا الاقتصاد وقوته ، بل الصحيح القول: إن لازدهار الاقتصاد الرأسمالي أسبابا متعددة ساهمت في هذا الازدهار بالرغم من ( نظام الفائدة الربوية ) .

والحقيقة الواضحة أنه إذا كان لنظام الفائدة في كثير من الأحوال تأثير سلبي على الاقتصاد - كما شرح - وذلك في البلدان التي تتقبل اتجاهاتها الأخلاقية هذا النظام ، فما ظنك بأثر هذا النظام على الاقتصاد في بلاد استقر في ضمائرها واتجاهها الخلقي كراهيته إلى درجة أن تعتقد أنها بقبوله تأذن بالحرب على الله ، وتعتقد أن نتيجته على سلوكها الاقتصادي المحق والدمار .

وهذه الحقيقة توجب الإشارة إلى حقيقة أخرى هي:

أنه لا بد لنجاح نظام اقتصادي في بلد ما أن يتناسق ويتناغم مع النظام الخلقي والقيم الثقافية التي تسود في ذلك البلد ، ومن المستحيل أن يزدهر نظام اقتصادي أو أساليب اقتصادية في بلد مع معارضة ذلك النظام أو تلك الأساليب

للقيم الخلقية والمعتقدات السائدة ، إن الشرط الأساسي لازدهار الاقتصاد في بلد ما أن يحور لينسجم مع نظام البلد الأخلاقي ، أو أن يحور النظام الأخلاقي لينسجم مع الاقتصاد وبدون ذلك يكون الاقتصاد كشجرة مغروسة في تربة ومناخ غير ملائمين لها .

إن الأفكار النظرية وحدها لم تكن لتقوى على تحرير الفكر ، وزعزعة التصور الذي ساد قبل ثلاثين عاما في أذهان المثقفين المسلمين عن نظام الفائدة الربوية ، لو لم توجد إمكانية لوضع تلك الأفكار النظرية موضع التطبيق ، ولو لم تتح فرصة اختبارها في ظروف الواقع واجتيازها لهذا الاختيار بنجاح . وقد أمكن في خلال السنوات القليلة الماضية وجود حوالي خمسين مؤسسة مصرفية تستخدم الأساليب الإسلامية ، وتحرر معاملاتها من الفائدة الربوية ، وقد حاز بعضها نجاحا كبيرا بمختلف المعايير ، صحيح أن عددا قليلا منها لم يوفق تمام التوفيق بسبب سوء الإدارة ، لنقص الإخلاص أو نقص الكفاءة ، أو بسبب ظروف خارجية . ولكن نجاح مؤسسة من هذه المؤسسات دليل كاف على كفاءة الأساليب المالية التي طبقتها ، إذ لو تخلفت كفاءتها لاستحال نجاح المؤسسة ، وعلى العكس من ذلك فإن فشل بعض هذه المؤسسات لا يدل على عدم كفاءة الأساليب الإسلامية ؛ لأن الفشل له أسباب كثيرة أخرى كما أشرنا ، ويجب أن نتذكر أنه في تجربة المملكة مع المؤسسات المصرفية التي اعتمدت نظام الفائدة الربوي تكررت الإخفاقات ، ولا حاجة للتذكير بأبرزها - وهو انهيار البنك الوطني - لأنه كابوس لا ينسى .

ولم يقتصر الأمر على قيام مؤسسات مصرفية تعتمد الأساليب المالية الإسلامية ، بل إن أكبر دولة إسلامية - بعد أندونسيا - وهي الباكستان أعلنت تقريرها عام 1985 تؤكد أنها حررت فروع بنوكها المحلية البالغة 7000 فرع من نظام الفائدة ، وذلك باستثناء الاتفاقيات السابقة والمعاملات مع الخارج .

تلخيص

لعل القارئ قد تنبه إلى أن ما سبق لم يتضمن آراء تقبل الجدل حولها والحكم عليها بالصحة أو الخطأ ، وإنما تضمن تسجيل وقائع ، ولا سبيل إلى تكذيب هذا التسجيل لأنه كما يلاحظ القارئ مدعوم بالتوثيق وإذا فيمكن للكاتب بكل اطمئنان أن يقول بأن ما تقدم يكشف الحقائق الآتية:

( 1 ) إن الربا ليس مفهوما غامضا وإنما هو معاملة معروفة ، استقر في الضمير الخلقي للإنسان ( منذ أقدم العصور ) كراهيته واعتباره عملا غير أخلاقي .

( 2 ) إن هذا المفهوم ليس شيئا غير ربا النسيئة حيث يدفع الممول المال لطالب التمويل لأجل بشرط أن يرده بزيادة في مقابل الأجل .

( 3 ) الربا بهذا المفهوم حرمته الشرائع السماوية الموسوية والمسيحية والإسلام ، وذلك بمختلف صوره ومهما كان حجمه .

( 4 ) الربا بهذا المفهوم هو الذي ارتكبته اليهود مع الناس من غيرهما ، وذمهم الله به ، وكانوا به موضوعا للكراهية والتعيير والسخرية من قبل الناس: { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } (1) .

( 5 ) إنه حتى بعد أن انتصرت العلمانية - ممثلة في الثورة الفرنسية - على الكنيسة وقوانينها ، وأباحت الربا فإنها لم تبحه إلا في حدود ضيقة ، وقد سمحت لها بذلك الفكرة العامة التي تعتنقها العلمانية عن نسبية القيمة الخلقية ، ومع ذلك فإنها لم تستطع أن تتحرر تماما من كراهية الربا المغروسة في الضمير الإنساني ، فظلت قوانينها الجنائية تعتبر التعامل بما يزيد على الحد الذي تسمح به نصوص القوانين من الربا جريمة تعاقب بعقوبات الجرائم .

( 6 ) الدكتور السنهوري الذي تولى صياغة النصوص التي تسمح بالفائدة في حدود معينة في القوانين المدنية: المصري والسوري والليبي والعراقي عندما قام بشرح هذه النصوص لم يسمح له احترامه للعقل والمنطق أن

(1) سورة النساء الآية 161

يتجنب تسمية الفائدة باسمها وأن يخفي طبيعتها ، فوصفها بأنها ربا سمح به القانون على سبيل الاستثناء مع بقاء اتجاهه العام في كراهية الربا ، ومحاولة تضييق دائرته ، ولا بد أن يقارن القارئ الواعي هذا الاتجاه للدكتور السنهوري باتجاه بعض إخواننا الطيبين الذين يفزعهم أن تسمى الفائدة باسمها ، ويزعجهم أن يواجهوا بأن الفائدة البنكية هي ربا النسيئة ، إن ربا النسيئة ليس مجالا للرأي والاجتهاد والخلاف وإنما هو محرم بالنصوص القاطعة الثبوت القاطعة الدلالة كما هو محرم بالإجماع ، وأنه إذا كان قد نقل عن بعض الصحابة الخلاف في بعض الأنكحة الفاسدة كنكاح المتعة أو نقل عن بعض الأئمة خلاف في تحريم خمر الشعير أو التفاح ، أو نقل خلاف حول ربا الفضل أو بعض المعاملات الأخرى ؛ فإنه لم ينقل عن أحد طوال ثلاثة عشر قرنا خلاف على تحريم ربا النسيئة ، بل إن الأمة متفقة على أن تحريم ربا النسيئة معلوم من الدين بالضرورة ، يكفر مستحله ، وإنه إذا لم يتب مستحله من المسلمين بعد استتابته فيقتل مرتدا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت