فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 1226

وبهذا يتضح أن معيار الفائدة ليس معيارا موضوعيا للجدوى الإنتاجية للمنشأة ، وإنما معيار متحيز من معايير التصنيف الائتماني ، وهذا هو أحد الأسباب في النظام الرأسمالي للنمو السرطاني للمنشآت الكبيرة واختناق المنشآت المتوسطة والصغيرة ، ويقع هذا بصفة خاصة في حالة ارتفاع معدل الفائدة ، إن زيادة تدفق الائتمان إلى الأغنياء - في النظام الربوي صار حقيقة معترفا بها على نطاق واسع . يقول جالبريت على سبيل المثال:"إن المنشأة الكبيرة عندما تقترض تحظى بصفة العميل المفضل لدى المصارف وشركات التأمين"ويقول:

"إن أولئك الأقل حاجة إلى الاقتراض هم المفضلون ، وأولئك الأكثر حاجة إلى الاقتراض هم الأقل حظا في نظام المنافسة السوقية".

ب - وبالنسبة لأثر الفائدة على الادخار والتكوين الرأسمالي ، فيجب أن نلاحظ أولا أنه لخلق مناخ استثماري إيجابي نشط لا بد من المحافظة الدائمة على العدالة والتوازن بين المدخرين والمستثمرين ، ثم نشير إلى أنه بسبب المعدل الاجتماعي للتفضيل الزمني فقد يعتقد بأن للفائدة دائما دورا إيجابيا مطردا على الادخار والتكوين الرأسمالي ، غير أنه بدراسة الواقع فإن الدلائل الإحصائية لا تشير إلى وجود ترابط كبير بين الفائدة والادخار في البلاد الصناعية ، أما في البلدان النامية فإن أغلب الدراسات توضح أنه لا تأثير لمعدل الفائدة على الادخار على الإطلاق ، وحتى من الناحية النظرية فإن عددا من الاقتصاديين يرفض افتراض بوم باورك التفضيل الزمني الإيجابي حتى أن جراف شكك بأن له وجودا فعليا بالمرة ، على أن آراء آخرين تقول بأن التفضيل الزمني لدى المستهلك الرشيد قد يكون موجبا أو صفرا أو سالبا وقد لاحظ ساملسون"أن الأدلة تهدي إلى أن بعض الناس يقل ادخارهم بدلا أن يزيد عند ارتفاع معدل الفائدة ، وأن البعض يزيد ادخارهم في تلك الحالة وأن الكثير لا يتأثر ميلهم للادخار في حالة الارتفاع أو الانخفاض".

من الطبيعي أن يعاني المدخرون إذا كانت الفائدة منخفضة وأن يعاني المستثمرون إذا كانت مرتفعة ، وأن الظلم الواقع في توزيع المردود بين المدخر والمستثمر بسبب معدلات الفائدة المتغيرة أو الثابتة يؤدي إلى تشويه جهاز الثمن وإلى سوء تخصيص الموارد ومن ثم إلى تباطؤ التكوين الرأسمالي .

لقد كان ارتفاع معدل الفائدة مانعا كبيرا من الاستثمار في النظام الرأسمالي ، ولما كانت تكاليف الفائدة تقتطع من الأرباح فقد أنتج هذا تآكل ربحية الشركات ، هو ما اعتبر في تقرير مصرف التسويات الدولية ( عاملا كبير الأهمية في إضعاف الحجم الكلي للاستثمار ) وقد أدت معدلات التكوين الرأسمالي المنخفضة في الولايات المتحدة ، إلى إيجاد دور وتسلسل حيث إن هبوط

الإنتاجية أدى إلى تقليل القدرة على تعويض التكلفة المرتفعة للقرض ، وهذا أدى إلى هبوط في الربحية وهبوط أكثر في معدل التكوين الرأسمالي ، فزاد اعتماد المنشآت على الديون التي إنما تحصل عليها بمعدل مرتفع للفائدة .

وبالمقابل فإن معدلات الفائدة المنخفضة لا تقل ضررا عن المرتفعة ، ففي حين أن المرتفعة تضر المستثمرين فإن المنخفضة تضر المدخرين ، وقد شجعت معدلات الفائدة المنخفضة على الاقتراض من أجل الاستهلاك فزادت بذلك الضغوط التضخمية كما شجعت الاستثمارات غير الإنتاجية ، وزادت من حدة المضاربة في أسواق السلع والأوراق المالية ، وبالجملة فقد أنتجت خفض المعدلات الإجمالية للادخار ، وتدني نوعية الاستثمارات . وأحدثت قصورا في التكوين الرأسمالي .

جـ - وبالنسبة لأثر الفائدة على الاستقرار الاقتصادي فإن من المؤكد أن الفائدة من أهم العوامل المخلة بالاستقرار في الاقتصاد الرأسمالي ، لذا لم يكن غريبا أن يجيب في عام 1982 ميلتون فردمان عن السؤال عن أسباب السلوك الطائش الذي لم يسبق له مثيل في الاقتصاد الأمريكي بأن ( الإجابة البديهية هي السلوك الطائش الموازي في معدلات الفائدة ) .

إن التقلبات الطائشة في معدل الفائدة تحدث تحولات لولبية في الموارد المالية بين المستفيدين منها ، إن زيادة تقلب معدل الفائدة تحقن السوق المالي بكثير من الشكوك ، وهذا من شأنه تحويل المقرضين والمقترضين على السواء من الأجل الطويل إلى الأجل القصير في سوق المال ، واستمرار التقلب في نصيب الفائدة في مجموع عائد رأس المستثمر يجعل من الصعب اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل بثقة ، ومن ناحية أخرى فإن الثابت أنه في ظل نظام تعويم المعدل في سوق قصيرة الأجل أنه كلما ارتفع معدل الفائدة ارتفع معدل الإفلاس التجاري للمنشآت ، وذلك بسبب الهبوط المفاجئ في نصيب المنشأة من مجموع العائد على رأس المال لا بسبب عدم كفاءة المنشأة ، ونحن نعرف أن الإفلاسات التجارية لا تقتصر فقط على الخسارة الشخصية لمالكي المنشأة

بل تستتبع الانخفاض في العمالة والناتج والاستثمار والطاقة الإنتاجية وهي خسائر يصعب وتطول فترة تعويضها وبديهي أن لكل هذه العوامل آثارا خطيرة على الاستقرار الاقتصادي .

لسنا في حاجة إلى إيضاح أثر تقلب معدلات الفائدة على القلق في الأسواق المالية والسلع ، ولما كانت هذه الأسواق للاقتصاد الرأسمالي بمثابة مقياس الضغط الجوي فإن التقلبات التي تحدثها الفائدة على هذه الأسواق تعكس تأثيرا موجبا للاضطراب على الاقتصاد بجملته .

وأخيرا فبالنسبة لتأثير الفائدة على إجراءات السياسة النقدية فإن البنك المركزي في إمكانه إما أن يراقب معدلات الفائدة أو يراقب رصيد النقود ، فإذا ما حاول تثبيت معدل الفائدة فقد السيطرة على عرض النقود ، وإذا ما حاول تحقيق نمو معين في عرض النقود تقلبت معدلات الفائدة وبخاصة القروض القصيرة الأجل .

وقد دلت التجربة على أنه من المستحيل تنظيم كلا العنصرين بطريقة متوازنة يمكن معها السيطرة على التضخم دون إضرار بالاستثمار ، ونستشهد بهذه العبارة المتحفظة في تقرير التسويات الدولية لعام 1982"إن التقلب الشديد في معدلات الفائدة يمكن أن يسهم في التقلبات الحادة في النشاط الاقتصادي كما قد يؤدي إلى مشكلات هيكلية سواء في الاقتصاد أو في النظام المالي".

د - بالنسبة لتأثير الفائدة على النمو الاقتصادي ، نشير إلى أن الفاعلية الاقتصادية تعاق كثيرا بوجود حالة الشك الذي يصعب معه التوقع للمستقبل ، فلا يملك معه المستثمرون القدرة ولا الجرأة على التخطيط لاستثمارات طويلة الأجل ، وإن الاعتماد في التمويل على القروض الربوية من شأنه أن يوجد مناخا للشك إذ يزداد الخطر الذي يواجه المستثمر ( المنظم ) لأن نصب عينه دائما أن الفائدة الربوية لا بد من دفعها بصرف النظر عن ربحية المشروع ، وتزيد حدة الشك إذا تقلبت معدلات الفائدة تقلبا طائشا ولا سيما إذا تضمن عقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت