فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 1226

ما سبق يضع أمامنا صورة لأعظم أزمة فكرية للمثقف المسلم قبل ثلاثين عاما ، وكان العالم الإسلامي ينتظر - للتخلص من هذه الأزمة - روادا عظاما ينظرون لإمكانية الإفلات من أسر النظام البنكي الغربي الربوي ، ويثبتون صلاحية الأدوات الفقهية الإسلامية كبديل كفء . وينتظر مؤسسات تطبق هذا التنظيم وتثبته واقعا ملموسا ، وقد تم هذا ولله وحده الحمد والشكر .

أما الفضل - بعد الله - فيرجع لحكومة المملكة العربية السعودية في فتح الآفاق المباركة ، فبفضل إيمانها وشجاعتها حرصت عندما أصدرت نظام بنكها المركزي ( مؤسسة النقد العربي السعودي ) في عام 1377 هـ على أن تضمن المادة الثانية منه النص على أنه ( لا يجوز لمؤسسة النقد العربي السعودي دفع أو قبض فائدة وإنما يجوز لها فقط فرض رسوم لقاء الخدمات التي تؤديها للجمهور أو للحكومة وذلك لسد نفقات المؤسسة ) ونصت المادة السادسة على أنه:"لا يجوز لمؤسسة النقد العربي السعودي القيام بأي عمل من الأعمال الآتية:"

( 1 ) مباشرة أي عمل يتعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية السمحاء فلا يجوز لها دفع أو قبض فائدة على الأعمال .

وهكذا رفعت المملكة الراية للمسيرة المباركة ، وأعلنت بوضوح أن العمل على التحرر من النظام البنكي الربوي ليس ممكنا فحسب ، بل هو واجب . ثم أتيح لها في فرصة أخرى أن تعزز هذه الريادة فعند صياغة نظام البنك الإسلامي للتنمية وضعت كل ثقلها في جانب تضمن نظام البنك نصوصا تقضي بأنه لا يجوز للبنك أن يتقاضى فوائد عن قروضه ، وأن تتم معاملاته كلها وفق القواعد الشرعية .

وقد توالت الثمار ، فمن ناحية التنظير وجدت أعمال فكرية تنتهج الموضوعية والأسلوب العلمي تشرح الحلول الفقهية الإسلامية وتثبت كفاءتها لأن يعتمد عليها اقتصاد نام وسليم .

ومن بين الأعمال الكثيرة نقدم هنا مثالين:

( 1 ) لاحظ الأستاذ \ سامي حسن حمود الذي تدرج في وظائف البنك الأهلي الأردني حتى وصل إلى رتبة نائب مدير البنك ، أن كثيرا من عملاء البنك يمتنعون تورعا من تقاضي فوائد على إيداعاتهم ، وقد عرف أن سبب ذلك هو تحريم الإسلام لتقاضي الفوائد الربوية ، وقد لفت هذا نظره إلى البحث في الفقه الإسلامي فاكتشف أن هذا الفقه زاخر بإمكانيات البدائل عن النظام الربوي ، وعند تقدمه للحصول على درجة الدكتوراة من جامعة القاهرة كان موضوع أطروحته ( تطوير المعاملات المصرفية بما يوافق الشريعة الإسلامية ) . ويعتبر هذا الكتاب - وقد صدر قبل حوالي خمسة عشر عاما - من أفضل الكتب في موضوعه ، ويمتاز بالتزامه بالمنهج التزاما دقيقا ، وقد هيئ للدكتور سامي حمود فيما بعد أن يشرف على تطبيق أفكاره في هذه الأطروحة عند تأسيس البنك الأردني الإسلامي وقيامه بإدارته .

( 2 ) تولى الأستاذ الدكتور عمر شابرا منصب الخبير الاقتصادي لمؤسسة النقد العربي السعودي لمدة طويلة كادت تبلغ ربع قرن ، وقد كان درس الاقتصاد على المنهج الغربي ، ولكن عند التحاقه بالعمل في المؤسسة كان من الطبيعي أن تلفت انتباهه نصوص نظام المؤسسة المشار إليها آنفا والتي تحرم على المؤسسة دفع أو اقتضاء الفوائد وتوجب أن تكون معاملاتها موافقة للقواعد الشرعية ، وكان من الطبيعي أن يتوجه اهتمامه إلى البحث في الأساليب الاقتصادية الإسلامية ، وأن يكتشف نتيجة للبحث الطويل العميق امتياز الأساليب الإسلامية وصلاحيتها الكاملة لإقامة نظام اقتصادي قوي وسليم ، وكانت الثمرة المباركة لهذه الجهود صدور كتابه المعنون towards a gust monetary system وقد صدر في إنجلترا قبل حوالي ثلاث سنوات ، إن الكتاب يتضمن دراسة علمية لعدد من الوسائل الاقتصادية الشرعية وأثبت بوضوح ودقة امتياز هذه الوسائل وكفايتها

لأن يستند عليها نظام اقتصادي سليم ، ولا يعنينا في هذا المجال هذا وإنما سنهتم بنتيجة الموازنة العلمية الدقيقة بين الوسائل الشرعية ، والوسائل الربوية التي تضمنها الفصل الخامس ، فبالاستناد إلى الاكتشافات والأفكار الاقتصادية الحديثة وبالرجوع إلى أساطين الاقتصاد الغربي المعاصرين وإلى الإحصاءات وتقارير الخبراء أثبت عجز الوسائل الربوية ( أو نظام الفائدة ) كأساس يعتمد عليه في البناء الاقتصادي السليم وذلك على النحو الذي نلخصه فيما يلي ، ( وإن كان هذا التلخيص تلخيصا مبتسرا قد لا يقدم الصورة بالوضوح والقوة الذي جاءت به في الكتاب ) .

ما مدى كفاءة نظام الفائدة كأساس للاقتصاد ؟ إنه من حيث إن المعروف أن الاقتصاد القوي السليم يجب أن يتوافر له من ضمن ما يتوافر شروط أربعة ، هي:

( أ ) القدرة على التخصيص الأمثل للموارد .

( ب ) المناخ الاستثماري الإيجابي الذي يشجع على الادخار والتكوين الرأسمالي .

( جـ ) الاستقرار .

( د ) قابلية النمو الاقتصادي ، فقد أوضح الكتاب أن نظام الفائدة الربوي عاجز عن توفير هذه الشروط وذلك على النحو التالي:

أ - فمن ناحية التخصيص الأجدى للموارد ، يلاحظ أن للفائدة وظيفة رئيسية مفترضة هي أنها وسيلة لتخصيص الأموال النادرة المقدمة من المدخرين إلى المستثمرين بطريقة موضوعية على أساس القدرة على دفع الثمن ، وإذا تغير الطلب على الأموال القابلة للإقراض أو تغير عرضها تم عند معدل فائدة مختلف التوصل إلى توازن جديد ، إن هذه المقولة مبنية على افتراض أن المعدل النقدي للفائدة يعتبر أداة ناجحة لتخصيص الموارد بطريقة مثالية . ولكن هذا الافتراض غير صحيح إذ يوجد في الواقع دليل مقنع على العكس ، وقد تجمعت لدى إنزلو وكونراد وجونسن أدلة تثبت أن رأس المال الحالي قد أسيء تخصيصه - ربما إلى حد خطير - بين قطاعات الاقتصاد . إن افتراض باريتو في تخصيص

الموارد لا يوجد إلا في عالم الأحلام عالم نموج التوازن التنافسي الكامل .

إن معدل الفائدة التوازني لا يوجد إلا في الكتب المدرسية فقط ، أما في الواقع فلا يوجد معدل مقاصة سوقية فعالة ، بل هناك مزج نظري من معدلات قصيرة الأجل وطويلة الأجل مع فروق واختلافات هائلة في مستوياتها ولا يوجد مفهوم واضح لكيفية توحيد هذه المعدلات المتعددة في معيار واحد ، إن معدل الفائدة في الحقيقة والواقع تعبير عن المفاضلة لا لصالح المقترض الأجدى إنتاجا بل لصالح الأكثر غنى ؛ لأن المعيار في الواقع هو الجدارة الائتمانية فكلما كانت الجدارة الائتمانية لشخص أكبر كان معدل الفائدة الذي يدفعه أقل ، والعكس بالعكس ، وبذلك تحصل المنشأة الكبيرة ( بغض النظر عن مدى حاجتها للتمويل ومدى درجتها في الجدوى الإنتاجية ) تحصل على أموال أكثر بسعر فائدة أقل وذلك فقط بسبب ارتفاع درجة تصنيفها الائتماني ، بمعنى آخر فإن المنشأة الكبيرة التي هي أقدر على تحمل عبء الفائدة تحمل عبئا أقل ، وعلى العكس فإن المنشأة المتوسطة أو الصغيرة التي قد تكون ذات إنتاجية أعظم بمقياس المساهمة في الناتج الوطني تحصل على مبالغ أقل بكثير نسبيا وبأسعار فائدة أعلى بكثير ، وهذا يعني أن الكثير من الاستثمارات الأجدى إنتاجية بالقوة لا توجد بالفعل بسبب عدم قدرتها التنافسية في الحصول على القروض التي تنساب إلى مشاريع أقل جدوى إنتاجية ، ولكنها متقدمة في سلم التصنيف الائتماني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت