أما الإسلام فقد جاء بنصوص قاطعة الدلالة ، قاطعة الثبوت على تحريم ربا النسيئة ( أو أخذ زيادة في القرض عن رأس المال مقابل الأجل ) ووردت بذلك آيات سورة البقرة التي قررت أن الدائن لا يجوز له أن يأخذ زيادة عن رأس ماله: { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (1) أي لا تظلمون المدين يأخذ زيادة عن رأس المال ، كما وردت بذلك الأحاديث الصريحة المتواترة تواترا معنويا ، ثم أجمعت على ذلك الأمة ، وقد وجد النزاع بين العلماء قديما وحديثا في صور عديدة من التعامل هل تدخل في الربا ، ولكن طوال القرون الماضية لم يوجد نزاع ( بل لم ينقل ) حول ربا النسيئة ، فالأمة متفقة على تحريمه بكل صوره سواء كان قليلا أم كثيرا .
(1) سورة البقرة الآية 279
وقد حدث أن وقعت البلاد الإسلامية ( عدا المملكة العربية السعودية واليمن ) تحت الاستعمار الأوروبي فنقل إليها النظام البنكي المعتمد على الفائدة الربوية وأنتج ذلك نتيجتين:
النتيجة الأولى: شل التعامل الاقتصادي المتحرر من الربا ، وتقليد البلدان الإسلامية الدول الغربية العلمانية في تقنين التفريق بين قليل الربا وكثيره ، فسمحت التقنينات المدنية العربية مثلا بتقاضي فوائد يحددها القانون وحرمت الزيادة عليها ، كما حرمت الفوائد المركبة ( الفوائد على متجمد الفوائد ) بعد أن سمحت بالفوائد البسيطة فنصت المادة ( 236 ) من التقنين المدني المصري الجديد على تحديد سعر الفوائد بـ 4% في المسائل المدنية و 5% في المسائل التجارية ، كما نصت المادة ( 237 ) منه على أنه ( يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على سعر آخر للفوائد على ألا يزيد هذا السعر عن 7% ، فإذا اتفقا على فوائد تزيد على هذا السعر وجب تخفيضها إلى 7% ويمكن رد ما دفع زائدا على هذا القدر ، وكل عمولة أو منفعة أيا كان نوعها اشترطها الدائن إذا زادت هي والفائدة على الحد الأقصى المتقدم ذكره تعتبر فائدة مستترة وتكون قابلة للتخفيض ) ونصت المادة ( 233 ) منه على أنه ( لا يجوز تقاضى فوائد على متجمد الفوائد ولا يجوز في أية حال أن يكون مجموع الفوائد التي يتقاضاها الدائن أكثر من رأس المال ) ، والحال الأخيرة يقصد بها تراكم الفوائد لسنوات كثيرة تبلغ بها رأس المال . وتتضمن التقنينات المدنية العربية الأخرى السوري والليبي والعراقي نصوصا مماثلة عدا تحديد نسبة الفائدة . ويقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري - وهو الذي وضع أصول القوانين الأربعة المشار إليها في شرحه لهذه المواد: ( ويتكفل القانون بتحديد مقدار الفوائد والسبب في ذلك كراهية تقليدية للربا لا في مصر فحسب ، ولا في البلاد الإسلامية وحدها ، بل في أكثر تشريعات العالم ، فالربا مكروه في كل البلاد وفي جميع العصور ومن ثم لجأ المشرع إلى تحديده للتخفف من رزاياه وهذا هو المبرر القوي الذي حمل القانون في هذه الحالة على التدخل - ثم يقول - وسنرى فيما يلي كيف كره المشرع المصري الربا
فحدد لفوائد رءوس الأموال سعرا قانونيا وسعرا اتفاقيا ، وتشدد في مبدأ سريان هذه الفوائد ، وأجاز استرداد ما يدفع زائدا على السعر المقرر ، وأعفى المدين في حالات معينة من دفع الفوائد حتى في الحدود التي قررها منع تقاضي فوائد على متجمد الفوائد ، في هذه وغيرها آيات على كراهية المشرع ( المصري ) للربا وعلى الرغبة في التضييق منه حتى لا يستفحل فيرهق المدين وقد يؤذيه بالإفلاس والخراب ، ثم يقول:"وقد زاد التقنين الجديد على التقنين القديم في كراهية الربا ( ثم يذكر أمثلة ) " (1) .
(1) الوسيط ، جـ 1 ، ص 883 .
النتيجة الثانية: لما كانت البنوك التي وجدت في العالم الإسلامي تحت ظل المستعمر في الأغلبية الساحقة بنوكا أجنبية ، وكانت أداة فعالة لاستغلال أموال المواطنين تحت نير الاستعمار ، وكانت المشكلة الكبرى للمسلم كيف يوفق بين قلبه الذي يمنعه من الربا ، خوفا من الله ، وتفكيره الذي يمنعه من ترك الفوائد الربوية عن إيداعاته لعدوه المستعمر الكافر ، وكان هذا الأمر يشكل أعظم أزمة فكرية يواجهها العالم المفتي كما تصور ذلك أبلغ تصوير الفتاوى التي نقلت عن الشيخ محمد رشيد رضا .
ومن ناحية أخرى فإن البنوك الربوية الاستعمارية وقد شلت التعامل الاقتصادي المتحرر من الربا ، وصارت هي المسيطرة على التعامل الاقتصادي في البلاد الإسلامية كما هي المسيطرة في غيره من العالم ، قد شككت بعض المثقفين المسلمين في إمكانية الخروج عن سيطرة التعامل البنكي الربوي ، وأصبح كثير من المسلمين يعتقدون أن لا بديل للاقتصاد الاشتراكي إلا الاقتصاد الرأسمالي القائم على الربا .
وحينما عقد أسبوع الفقة الإسلامي في باريس عام 1953م حضره مجموعة كبيرة من القانونيين الغربيين ، كما حضره من المسلمين الدكتور معروف الدواليبي ، والشيخ محمد عبد الله دراز . وتبعا لطريقة الدكتور معروف الدواليبي في التفكير وشغفه بالحلول السياسية حتى بالنسبة للمشاكل الفقهية ، ونظرا لعاطفته الإسلامية القوية ورغبته في أن يجمل وجه الفقه الإسلامي أمام علماء
القانون الغربيين وأن يقنعهم بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان ، وأنه لا يعارض المصالح الواقعية ، فقد عرض نظرية غريبة مفادها أن الإسلام لا يحرم ربا النسيئة في كل صوره ، وإنما يحرم هذا الربا في مجال قروض الاستهلاك ، أما مجال قروض الإنتاج والاستثمار فلا يحرم فيها ربا النسيئة ويجوز فيها تقاضي الفوائد عن القروض ، ولحسن الحظ فقد كان طرح الشيخ محمد عبد الله دراز في تلك الندوة معاكسا تماما لطرح الدكتور الدواليبي ، إذ أوضح أن الإسلام يحرم ربا النسيئة بمختلف صوره دون تفريق بين مجال قروض الاستهلاك والاستثمار ، وأنه من المستحيل إثبات وجود مثل هذا التفريق ، وكان حضور الشيخ دراز - رحمه الله - وطرحه توفيقا من الله ، إذ لو استقر في أذهان أعضاء الندوة أن فكرة الدكتور الدواليبي تمثل حقا الفقه الإسلامي لانتهوا إلى عكس الهدف الذي توخاه الدكتور الدواليبي ، إذ سوف يعتبرون الفقه الإسلامي يمكن أن يكون له مجال في عالم الأخلاق والمثل ولكن لا يمكن أن يكون له مجال في عالم الواقع والتشريع ، إذ أن التمييز بين مجال القروض الاستهلاكية ومجال القروض الاستثمارية إن أمكن في بعض الصور فهو غير ممكن في غالب الصور ، كما أوضح ذلك الدكتور السنهوري في تعليقه على هذه الفكرة في كتابه المشهور مصادر الحق ، يوضح هذا أن التفريق بين قروض الاستثمار وقروض الاستهلاك يعتمد في أغلب الصور على محض النية الباطنة للمتعاملين والتي لا تتخذ بالضرورة مظهرا يمكن الحكم عليه ، ومحض النية يصلح معيارا للنظام الأخلاقي ولكنه لا يصلح معيارا للنظام التشريعي إلا إذا تشكل في مظهر يمكن أن يكون محلا للحكم .
وعلى كل حال ومع أن الإنسان عندما يخترع فكرة فإنها عادة تسيطر عليه ولا يستطيع أن يتخلص من أسرها ، إلا أنا مع ذلك لا نظن أن الدكتور الدواليبي يصر حتى الآن على فكرته - تلك - لاسيما بعد أن وضح له لا من قبل علماء الشرع بل من قبل علماء القانون أن فكرته تستند على أساس من الوهم لا من الحقيقة .