فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 1226

و إذا قيل إنها ذمته مع مشاقة الرسول , قلنا لأنهما متلازمتان , و ذلك أن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول - صلى الله عليه و سلم - فالمخالف لهم مخالف للرسول , كما أن المخالف للرسول مخالف لله , لكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول , وهذا هو الصواب""

فلا توجد أبدًا مسألة مجمع عليها إلا و فيها بيان من الرسول و لكن قد يخفى ذلك عن بعض الناس و يعلم الإجماع فيستدل به , كما أنه قد يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص وهو دليل ثانٍ مع النص , كالأمثال المضروبة في القرآن و كذلك الإجماع دليل أخر كما يقال , قد دل على ذلك الكتاب و السنة و الإجماع ,

و كل من هذه الأصول يدل على الحق من تلازمها فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب و السنة و ما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ , فالكتاب و السنة كلاهما مأخوذ عنه و لا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا و فيها نص .

و قد كان بعض الناس يذكر مسائل فيها إجماع بلا نص كالمضاربة و ليس كذلك

ثم قال رحمه الله"استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة , و كثير من العلماء لم يعلم النص و قد وافق الجماعة , كما أنه قد يحتج بقياس و فيها اجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع (1) "

القياس و غيره من المصادر:

و إذا جئنا إلى باقي المصادر بعد النص و الإجماع وجدنا القياس , و غيره من المصادر التي يلجأ غليها المجتهدون , و الإجتهاد إنما يقبل ما دام في ضوء النصوص و مقاصد التشريع الإسلامي , فالمجتهد يحاول أن يصل إلى الحكم الشرعي في ضوء الوحي , و ليس بلهوى و التشهي .

نعم قد بخطئ المجتهد لكنه لا يترك الوحي فلا اجتهاد مع النص ,و إنما يأتي الخطأ من غير عمد فيما يجد من الأمور الإقتصادية التي يرى المجتهد أنها حلال أو حرام بحسب الأدلة الشرعية التي يستند إليها و ليس التحريم و التحليل من عند نفسه .

و معنى هذا أن الاقتصاد الإسلامي في جملته مصدره الوحي , أو الاجتهاد في ضوئه . و هذه الخصيصة لا توجد في اي مذهب اقتصادي أخر , فكل المذاهب الأخرى من وضع البشر .

اقتصاد أهل الكتاب ... هل هو رباني المصدر ؟

ماذا عند اليهود ؟

و إذا كان هذا واضحا بالنسبة للاقتصاد الذي ينسب للأفراد , و لم يدعوا هم أنفسهم أنهم استمدوا من الوحي , فقد يقال بربانية المصدر للفكر الإقتصادي عند اليهود أو المسيحيين .

و نحن نعرف أن الديانات السابقة للإسلام كانت مؤقتة , فهي تمثل مرحلة انتقالية إلى أن يأتي الدين الخاتم , لذلك لم يكن هناك منهج اقتصادي كامل . ولذلك أيضا لم يتعهد الله تعالى بحفظ كتبهم كما تعهد بحفظ القرآن الكريم , فحرفت و بدلت .

و قد أشار القرآن الكريم إلى بعض تعاملات عند اليهود حيث قال الله تعالى {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا} {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (160) (161) سورة النساء

و في التوراة المحرفة التي يسير عليها اليهود نجد غباحة الربا ما دام الإقراض لغير يهودي""لا تقرض أخاك بربا , ربا فضة أو ربا طعام , أو ربا شئ مما يقرض بربا . للأجنبي تقرض بربا , و لكن لأخيك لا تقرض بربا كي يباركك الرب""

و مثل هذا لا يمكن أن يحله"رب الناس . ملك الناس . إله الناس"فهو سبحانه و تعالى ليس ربا لليهود دون سواهم

و عند النصارى ؟

و إذا نظرنا إلى الفكر الاقتصادي عند المسيحيين و جدنا أن الاقتصاد ارتبط بالكنيسة في العصور الوسطى قبل أن يظهر مذهب التجاريين , و اتفقت بعض الأمور الاقتصادية مع الوحي , و لكنا وجدنا تعاون الكنيسة مع الإقطاع نفسه , حيث ملكت في بعض البلاد ثلث الأرض , و اشتركوا في الظلم الذي ساد القرون الوسطى , و كان لسوء أعمال رجال الكنيسة أثر في قيام الثورات , و الدعوة لفصل الدين عن الدولة , و هذه القرون المظلمة عندهم كانت عصور النور عندنا حيث أُرسل الرحمة المهداه - صلى الله عليه و سلم - ووجدت خير أمة أخرجت للناس .

و إذا وجدنا في فكرهم الإقتصادي ما يتفق مع الوحي كتحريم الربا , فإنا وجدنا أيضا - إلى جانب الظلم و الاستبداد - ما لا يتفق مع الوحي كتحليل بعض أنواع الربا , أو التقليل من شأن التجارة .

و على سبيل المثال نجد أن توماس الأكويني الذي عرف باعتداله في أفكاره الاقتصادية و ميله غلى الارتباط بالدين , رأيناه يقف في تحريم الربا عند القروض الاستهلاكية ,و يحل ربا التجارة

و الربا الذي حرم بالكتاب و السنة و كان شائعا في الجاهلية كان جله في التجارة , أما القروض الاستهلاكية فكانت نادرة .

و نخلص من هذا أن الاقتصاد الإسلامي وحده رباني المصدر , لذا وجب الإيمان بأنه هو الصالح للناس , فيجب الأخذ به و تطبيقه فهو اقتصاد معصوم في أوامره و نواهيه و مبادئه الكلية و اقرب غلى الصواب من الأمور التي تكون بالاجتهاد .

الباب الأول

النهي عن الربا في القرآن الكريم

قال تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) [البقرة/278-280] } [البقرة/275، 280]

قال الجصاص (2) :

بَابُ الرِّبَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ } إلَى قَوْلِهِ: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَصْلُ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ ، وَمِنْهُ الرَّابِيَةُ لِزِيَادَتِهَا عَلَى مَا حَوَالَيْهَا مِنْ الْأَرْضِ ، وَمِنْهُ الرَّبْوَةُ مِنْ الْأَرْضِ وَهِيَ الْمُرْتَفِعَةُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ ( أَرْبَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ فِي الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ ) إذَا زَادَ عَلَيْهِ .

(1) - (1) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام بن تيمية 19/192-196

المصدر كتاب مسوعة القضايا الفقهية المعاصرة للدكتور علي السالوس

(2) - أحكام القرآن للجصاص - (ج 3 / ص 170)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت