والفرق بين البنك الإسلامي والبنك الربوي أن البنك الإسلامي قائم على أساس شركة المضاربة ، بينما يقوم البنك الربوي على أساس ربا الديون .
وشروط شركة المضاربة ( حيث المال من طرف والعمل من الآخر ) :
1 -أن يكون رأس المال من النقدين ( والصحيح أنه لا يشترط ) .
2ـ وأن يكون رأس المال معلوما .
3 -أن يكون الربح معلوما بينهما بالنسبة بحسب الاتفاق ، كأن يكون 20% من الربح للعامل ، و80% لصاحب رأس المال على سبيل المثال... وما اتفقا عليه من النسبة من الربح ، يلزمهما.
والبنك الإسلامي قائم على أن المساهمين في حساب التوفير شركاء معه في شركة المضاربة ، عليه العمل ، وعليهم المال ، ثم في نهاية العام ينقسم الربح بينهما ، وفق ما اتفقا ، وكل بحسب ما شارك به .
فالبنك الإسلامي مضارب يعطي النسبة من الربح ، لا من رأس المال كالبنك الربوي ، فإن لم يربح ، فإنه لا يوزع شيئا على المساهمين .
وهكذا التجارة لا تخلو من مخاطر ، فإن قيل: فكيف يتقي البنك الإسلامي خطر الخسائر ، وفقدان العملاء ، والجواب: أنه كما أنك إذا أردت أن تختار موظفا لديك ، تختاره نشيطا ذكيا لديه خبرة وعلم ، فكذلك تختار البنك الإسلامي ، الذي لديه مشاريع كثيرة فإن خسر في أحدها عوض من الآخر ، ولهذا فمن النادر جدا خسارة البنك صاحب الرأسمال الكبير ، إلا بحدوث كارثة عامة كالغزو الخارجي ، أو الزلزال ، وهنا يخسر الجميع سواء البنك الربوي أو الإسلامي .
ولنضرب مثلا يفرق بين تقاسم الربح منسوبا إلى رأس المال كما تفعل البنوك الربوية ، وتقاسمه منسوبا إلى الأرباح ، فشركة هبتكو مثلا ، كتب في العقد أنهم يعطون نسبة من رأس المال ، وهذا حرام مجمع عليه ، ولكن قد خدع بعض الناس بكونهم يعطون نسبة ، وقالوا أن النسبة تجوز ، ولكن النسبة هنا إنما هي من رأس المال ، فهي مبالغ محددة .
وقد يقول قائل إن المضارب قد يكذب علي في قدر الربح فينقص ربحي ، بينما إذا اتفقت معه على مبلغ معين من المال ضمنت حقي ، فنقول: أنت بنيت هذا الاحتمال على كسلك وخمولك ، فتريد مالا بدون عمل ، أما أحكام الشريعة ، فهي: إما أن تثق بالمضارب ، أو تتابعه وتتأكد من صحة ربحك .
أو تعطي العمال أجرة شهرية فهم في هذه الحالة أجراء عندك ، والأموال كلها لك ، أو تأخذ نسبة من أموال المضاربة ، وغير هذا لا يجوز .
فإن قال قائل: فأنا أريد أن أؤجر المحل للعمال بأجرة فهذا على احتمالين:
الأول: أن عقد الإجارة يقع على الرخصة وهذا لا يجوز ، لأن الرخصة كفالة ، وتأجير الكفالة لا يجوز .
الثاني: أن تشتري لهم معدات وتؤجرها عليهم بسعر السوق ، ففي هذه الحالة ، لا توجد حيلة ، ولا يجوز أن يوضع في الاعتبار حين الاتفاق على عقد الإجارة ، وجود الرخصة التجارية ، وهذا هو المخرج الشرعي .
مثال: أن أشتري حافلة"باص"، وأقول للسائق: أؤاجرك هذا الباص بمائتي دينار ، واعمل عليه كما شئت ، فهنا أصبح الباص عينا مؤجرة ، والعقد عقد إجارة لا مضاربة ، بشرط ألا تكون ثمة حيلة ، فتكون أجرة الباص في السوق 50 دينارا مثلا ، وأنت أجرت عليه بمائة وخمسين ، وباقي المبلغ مقابل الكفالة أو الإقامة ، فهذا لا يجوز ، فالشرط أن تكون أجرته مماثلة لمثله في السوق ، فإما أن تجعل العمال أجراء عندك ، أو تجعلها شركة مضاربة إذا وثقت فيهم .
ثالثًا: شركة الوجوه:
ويعرف العلماء هذا النوع بأن يشترك اثنان لا مال لهما في ربح ما يشتريان من الناس بذممهما ، أي بجاههما وثقة التجار فيهما ، من غير أن يكون لهما رأس مال ، إذن هذه شركة لمن ليس لديهم مال حاضر ، ولكن لهم مكانة ووجاهة وثقة بين الناس ، فهم يستطيعون أن يشتروا بوجوههم بالأجل بثقة الناس بهم ، فيشترون بضاعة إلى أجل سويا ثم يبيعونها سويا ، ويردون الدين إلى أصحابه ، ويصبح الربح لهم .
رابعًا: شركة الأبدان:
ويعرفها العلماء بأن يشتركا فيما يتملكان بأبدانها من المباح ، كالحشيش ، والاحتطاب ، والاصطياد ، وهذا النوع من الشركات ليس فيه رأس مال ، فكلاهما يعمل من كسب يده ، كصيادي سمك على سبيل المثال ، يذهبان سويا وما يصيدانه يضعانه سويا ، ثم يقسمانه فيما بينهما أو يبيعانه ويقتسمان الثمن.
خامسًا: شركة المفاوضة:
وهي أن يفوض كل من الشريكين الآخر بأن يبيع ويشتري ويتصرف في سائر المعاوضات في رأس المال ، وتقبل ما يرى من الأعمال ، وهي يمكن أن تسري أيضا في الشركات كلها .
فشركة العنان قد يكون فيها مفاوضة ، وكذلك سائر الشركات السابقة .
والأصل أن أنواع الشركات أربع ( مضاربة ، وجوه ، عنان ، أبدان ) وقد يكون بين الشريكين عدة أنواع من الشركات فلا إشكال في ذلك ، فقد يكون بينهما عنان ومضاربة ، بأن يضع أحدهم ألفي دينار ، ويضع الآخر ألفان وعليه العمل ، وقد أصبحا شريكين بالعنان والمضاربة ، وهذا جائز لا إشكال فيه .
وقد تجتمع الأنواع الأربعة في شركة واحدة عملاقة ، ويمكن ضبط كل المعاملات بالحاسوب ، والمقصود أنها مهما اختلطت ومهما تداخلت ، فلا إشكال فيها ، فما لم تتضمن عقودا وشروطا تخالف الشرع فهي مباحة ، والأصل في المعاملات الإباحة.
الاقتصاد الإسلامي في عامته حديث عن البنوك الإسلامية ، عن أهدافها ومصادر الأموال فيها ، وعن الخدمات التي تقدمها والأحكام الشرعية المتعلقة بذلك .
وأصل فكرة البنوك مستوردة من غير المسلمين ، ولا آتي بجديد إن قلت إنك لو فتحت المصادر الفقهية كالمغني وروضة الطالبين والهداية والمدونة ، فلن تجد حديثا عن المصارف أو البنوك.
غير أن المسلمين حين رأوا غيرهم ، قد أسسوا مصارف وأنها تؤدي أعمالا وخدمات ضرورية للناس ، أدركوا أن وجود بديل إسلامي للمصارف ، ضرورة لابد منها ، وذلك بأن نأخذ هذه الفكرة التي أحدثها غير المسلمين ، ونجعل منها صورة إسلامية .
فإن قال قائل: ألا يكون هذا من قبيل التشبه بالكفار ، فالجواب أن اتخاذ وسائل التعامل وتنظيم الحياة ، إن لم يكن لها علاقة بالعقيدة ولا كانت شعارا للكفار يميزهم عن غيرهم ، بحيث من فعله ، يكون متشبها بهم ، بل كانت شأنا عامًا ينظم الحياة ، ويدير شؤون الناس ، عند الكفار وغيرهم ، فإن فعله ليس من قبيل التشبه بالكفار ، والنبي صلى الله عليه وأصحابه ، سلكوا وسائل كثيرة كانت تستعمل عند غير المسلمين ، سلكوها لتحقيق أهداف الإسلام ، فلاحرج في ذلك ، لأنه ليس من قبيل التشبه بالكفار المحرم في شريعتنا .
ولنبدأ بالحديث عن أهداف البنوك الإسلامية:
أهداف البنوك الإسلامية ليست تقديم الخدمات فقط ، بل أعمق من ذلك بكثير ، وبعضها مرتبط بالعقيدة ، وأهم أهدافها هدفان:
أحدهما: التخلص من التبعية الاقتصادية لغير المسلمين .
وهذا الهدف هدف أسمى للاقتصاد الإسلامي ، ذلك أن المعاملات المصرفية ، ونظام النقد ، إذا صارت مقاليده بيد غير المسلمين ، أدى ذلك إلى استعباد الأمة .
ذلك أن الاقتصاد في هذا العصر قد يدمر الدول والمجتمعات ، ويهدد الأمن والاستقرار ، وقد يؤدي إلى سحب رؤوس الأموال من بنوك الدولة فتنهار ، وقد يؤدي بالدولة إلى أن تصبح مقاليدها السياسية ليست بيدها ، وتخضع تشريعاتها بل عقيدتها لمن يسيطر على اقتصادها ، من هنا لابد من إيجاد بنوك إسلامية عملاقة ، تدير الاقتصاد في بلاد المسلمين ، وتخلصنا من التبعية .
هذه هي الفكرة الأساسية لهذا الهدف ، ويتفرع منه ثلاثة فروع:
أولا: في المعاملات المصرفية .