فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 1226

ولكن هنا استثناء مهم ، وهو استثناء بيع التمر بالرطب فقط ، حيث كان التمر هو القوت الأساسي في زمن النبوة ، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ( والله يا ابن أختي ! إن كنا لننظر إلى الهلال ، ثم الهلال ، ثم الهلال ؛ ثلاثة أهلة في شهرين ، وما أوقد في أبيات رسول الله نار .قلت:يا خالة ! فما كان يعيشكم ؟ قالت: الأسودان: التمر والماء ، إلا أنه كان لرسول الله جيران من الأنصار ، وكانت لهم منايح ، فكانوا يرسلون إلى رسول الله من ألبانها فيسقيناه ) [ متفق عليه ] ، وتأملوا يا أخواني أولئك الرجال الذين كان أكثر طعامهم التمر والماء ، كما ورد في الأثر: ( كنت جالسًا مع أبي هريرة بأرضه بالعقيق ، فأتاه قوم من أهل المدينة على دواب فنزلوا ، قال حميد: فقال أبو هريرة: اذهب إلى أمي وقل لها: إن ابنك يقرئك السلام ويقول: أطعمينا شيئًا، قال: فوضعت ثلاثة أقراص من شعير وشيئًا من زيت وملح في صحفة، فوضعتها على رأسي، فحملتها إليهم، فلما وضعته بين أيديهم، كبر أبو هريرة وقال: الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودان؛ التمر والماء، فلم يصب القوم من الطعام شيئًا ! فلما انصرفوا قال: يا ابن أخي! أحسن إلى غنمك ، وامسح الرغام عنها، واطلب مراحها، وصل في ناحيتها؟ فإنها من دواب الجنة، والذي نفسي بيده ليوشك أن يأتي على الناس زمان ، تكون الثلة من الغنم، أحب إلى صاحبها من دار مروان ) [رواه البخاري في الأدب المفرد] ، كيف أن أولئك الرجال الذين كان هذا طعامهم فتحوا الدنيا وملؤها نورا وعلما وهدى .

والمقصود أن الرطب أحسن من التمر ، ومن الناس من لديه التمر ويريد الرطب وليس لديه نقود ، فهنا حاجة ماسة للحصول على الرطب وهي حاجة عامة .

فرخصت الشريعة ببيع التمر بالرطب في ما يطلق عليه (العرايا ) ، وهي أن يشترى التمر بالرطب على النخل ، يخرص فيجعل مقابل وزنه تمرا ، بشرطين:

الأول: الحاجة فلا تباع لغني ولكن لم يحتاج إلى أكلها رطبا لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رخص بها لأهل الحاجة ، الثاني: أن يكون أقل من خمسة أوسق ، ولا يجوز التفرق قبل القبض أيضا .

وفي ذلك ورد حديث سهل بن أبي حثمة قال ( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرايا أن يشتري بخرصها يأكلها أهلها رطبا ) [ متفق عليه ] .

وعن أبي هريرة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق ) [ متفق عليه ]

وهنا مسألة مشهورة عند الفقهاء ، وهي مسألة ( مد عجوة ودرهم ) ويطلق عليها الفقهاء ( بيع ربوي بجنسه ، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما ) .

ومثاله: يبع مد تمر مثلا"والمد مقدار من كيل"ودرهم ، مقابل درهمين

يقول العلماء: لم يتميز ما يقابل الدرهم من جميع الدرهمين ، ولا ما يقابل المد ، وإنما الجملة مقابل الجملة ، فلاتحصل المماثلة بين الجنسين ، بما يقابل كل جنس من جنسه .

وكذلك يجري هذا الإشكال في: بيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم ؟ أو كيلو من التمر ودينار ذهب بمثلهما ؟

قال أهل العلم يحرم هذا لأنه يدخل في قاعدة الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل ، وحسما لمادة الربا ، فهو يفتح باب التحايل .

وقد ورد في ذلك حديث فضالة ( أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها ذهب ، وخرز اشتراها رجل بتسعة دنانير ، أو سبعة ، فقال صلى الله عليه وسلم: لا ، حتى تميز بينهما ، قال: فرده حتى ميز بينهما ) [ رواه أبو داود ] ، ولمسلم ( أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع حده ، ثم قال: الذهب بالذهب وزنا بوزن ) .

ولكن يوجد رواية عن الإمام احمد ـ وقد اختارها شيخ الإسلام ـ أن المفرد إذا كان أكثر من الذي معه غيره ، فإن ذلك جائز ، وكذلك إذا كان مع كل واحد منهما من غير جنسه وهذا مذهب أبي حنيفة .

وقد سئل شيخ الإسلام عن بيع الاكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية ، مع العلم بأن التفاوت بينهما يسير لا يقوم بمؤنة الضرب ، بل فضة هذه الدراهم أكثر ، هل يجوز المقابضة بينهما ؟ أم لا ؟

فأجاب: هذه المقابضة تجوز في أظهر قولي العلماء ، والجواز فيه له مأخذان: بل ثلاثة:

أحدهما: إن هذه الفضة معها نحاس ، وتلك فضة خالصة ، والفضة المقرونة بالنحاس أقل ، فإذا بيع مائة درهم من هذه بسبعين مثلا من الدراهم الخالصة فالفضة التي في المائة أقل من سبعين ، فإذا جعل زيادة الفضة بإزاء النحاس جاز على أحد قولي العلماء الذين يجوزون مسألة ( مد عجوة ) كما مذهب أبي حنيفة ، وأحمد في إحدى الروايتين .

ثم ذكر حديث القلادة الآنف الذكر و قال:

وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي ، بل يخرص خرصا ، مثل القلادة التي بيعت يوم حنين ، وفيها خرز معلق بذهب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لاتباع حتى تفصل ) فإن تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع هذا بهذا حتى تفصل ، لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون ، فيكون قد باع ذهبا بذهب مثله ، وزيادة خرز ، وهذا لا يجوز .

وإذا علم المأخذ ، فإذا كان المقصود ببيع دراهم بدراهم مثلها ، وكان المفرد أكثر من المخلوط ، كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة ، بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط ، لم يكن في هذا من مفسدة الربا شيء ، إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها ، ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك فيجوز التفاوت" [مجموع الفتاوى 29/454] "

لعل من أهم مظاهر الاقتصاد العالمي المعاصر هو الشركات ، وللعولمة علاقة وطيدة بالشركات ، ذلك أن العولمة ـ كما يقال ـ ما هي إلا مائة شركة أمريكية وغربية عملاقة ، تريد أن توحد السوق العالمي ، وتدخل أسواق العالم ، بعد أن تحطم العوائق المحلية ، تحت قانون دولي يسمى منظمة التجارة الدولية ، ولهذا فإن العولمة ، ما هي إلا استيلاء الشركات الكبرى على أسواق العالم ، وضمان بقاء الشمال الغني ثريا ، وبقاء الجنوب الفقير فقيرا ، ولهذا تقوم المظاهرات الكثيرة ضد العولمة في العالم الغربي .

والذي يهمنا هنا ، هو الشركات في الاقتصاد الإسلامي ، وهي تنقسم إلى خمسة أقسام:

1 -العنان 2 - المضاربة 3 - الوجوه 4 - الأبدان 5 - المفاوضة .

ومن الممكن أن تجتمع هذه الأنواع كلها في شركة واحدة ، كحال الشركات العملاقة .

أولا: شركة العنان

حيث يضع كل من الطرفين مالهما والعمل يكون أيضا بينهما ، فهي شراكة كاملة ، مثل أن يضع أحد الشريكين ، ألف دينار ، والآخر مثله ، والعمل عليهما معا .

ولها شروط هي:

1 -أن يكون رأس المال عند الحنابلة من النقدين ، وفي قول لا يشترط هذا وهو الصحيح ، فإن كان لدي عين وغيري لديه مثلها صح أن نجعلها رأس مال ونشترك في العمل معا.

2 -أن يكون كل من المالين معلوما فلا تصح بمجهول .

3 -أن يكون حاضرا لا بالذمة أو الدين .

4 -أن يكون الربح بينهما بنسبة معلومة من الربح لا من رأس المال .

فلو قال أحدهما أريد 100 دينار شهريا مثلا لم يصح ، وقد ذكر ابن المنذر الإجماع على أنه لا يصح أن يشترط أحدهما دراهم معلومة .

ثانيًا: شركة المضاربة:

ويعرفونها بأنها دفع نقد معلوم لمن يتجر به بجزء مشاع معلوم من ربحه ، وهذا يعني أن رأس المال من طرف ، والعمل من طرف آخر ، ويكون الربح بينهما وفق ما يتفقان عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت