فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 1226

فثبت بذلك أن الربا قد صار اسما شرعيا لأنه لو كان باقيا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر ؛ لأنه كان عالما بأسماء اللغة ؛ ولأنه من أهلها ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة نسء ربا ، وهو ربا في الشرع وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الإسلام موضوعا لها في اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة فهو مفتقر إلى البيان ولا يصح الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مسمى في الشرع بذلك أحكام القرآن ج1 ص551 - 552 . .

(الجزء رقم: 11، الصفحة رقم: 196)

مبحث الربا في الكتاب العزيز

ننتقل بعد هذا البسط في مدلول الربا لغة وشرعا إلى إيراد الآيات القرآنية التي جاء فيها ذكر الربا موضحا قال تعالى في سورة البقرة سورة البقرة الآية 275 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ سورة البقرة الآية 276 يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ سورة البقرة الآية 277 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة البقرة الآية 278 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة البقرة الآية 279 فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ سورة البقرة الآية 280 وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سورة البقرة الآية 281 وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ .

تفسير الآيات

يقول الحافظ ابن كثير - يرحمه الله-:"لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين للنفقات المخرجين للزكوات المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم فقال: سورة البقرة الآية 275 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه ، وتخبط الشيطان له ، وذلك أنه يقوم قياما منكرا . وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق . رواه ابن أبي حاتم ، ونقل- أي ابن كثير - عن بعض مفسري السلف نحو هذا المعنى , ثم استمر يرحمه الله في نقل الروايات عن مفسري السلف في أن قيامهم على الوضع المذكور يكون يوم القيامة ونقل"

(الجزء رقم: 11، الصفحة رقم: 197)

عن ابن جرير بالسند إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب وقرأ سورة البقرة الآية 275 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا الآية وذلك حين يقوم من قبره تفسير ابن كثير , ج2 ص 54-55 . , وجاء في"فتح القدير"عند تفسير قوله تعالى: سورة البقرة الآية 275 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا قوله: اختصاص هذا الوعيد بمن يأكله بل هو عام لكل من يعامل بالربا فيأخذه ويعطيه وإنما خص الأكل لزيادة التشنيع على فاعله ولكونه هو الغرض الأهم فإن آخذ الربا إنما أخذه للأكل ، وقوله: سورة البقرة الآية 275 لَا يَقُومُونَ أي يوم القيامة كما يدل عليه قراءة ابن مسعود وبهذا فسره جمهور المفسرين قالوا: إنه يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند أهل المحشر ، وقيل: المراد تشبيه من يحرص في تجارته فيجمع ماله من الربا بقيام المجنون لأن الحرص والطمع والرغبة في الجمع قد استفزته حتى صار شبيها في حركته بالمجنون كما يقال لمن يسرع في مشية ويضطرب في حركاتها: إنه قد جن , ومنه قول الأعشى:

وتصبح من غب السرى وكأنها ... ألم بها من طائف الجن أولق

فجعلها - أي ناقته - بسرعة مشيها ونشاطها كالمجنون ، وقوله: سورة البقرة الآية 275 إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ أي إلا قياما كقيام الذي يتخبطه , والخبط: الضرب بغير استواء كخبط العشواء وهو المصروع , والمس: الجنون , والأمس: المجنون , وكذلك الأولق وهو متعلق بقوله يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم سورة البقرة الآية 275 إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ أو متعلق بيقوم , وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع , وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان وليس بصحيح وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتخبطه الشيطان .

كما أخرجه النسائي وغيره قوله ذلك إشارة إلى ما ذكر من مبالغة بجعلهم الربا أصلا والبيع فرعا , أي: إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل كالبيع بزيادة عند حلوله ، فإن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك فرد الله عليهم بقوله: سورة البقرة الآية 275 وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا أي أن الله أحل البيع وحرم نوعا من أنواعه وهو البيع المشتمل على الربا . والبيع

(الجزء رقم: 11، الصفحة رقم: 198)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت