فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 1226

فإذا كان الناس في جاهلية ابتدعوا نوعًا من التعامل المحرّم، أو تعلّموه من اليهود، فإنَّ الناس يمكن لهم في كلّ زمن أن يستحدثوا من وسائل التعامل بالمال والبيع ما فيه حرام وظلم، وبصورة خاصة عندما تُسْتحدث هذه الوسائل والأبواب في مجتمعات لا تلتزم بأحكام الإيمان وتشريع الإسلام، فيغلب عليها الظلم والعدوان واستغلال القوي للضعيف، والخداع والغش وغير ذلك، حيث يسود قانون بشريٌ لا يمكن له أن يرعى مصالح العباد كما يرعاها التشريع الرباني، مهما حمل من وسائل الزخرف والإغراء.

وعِلّة تحريم الربا هي الظلم واستغلال حاجة الضعيف للقوي، والفقير للغني، وبصورة عامة،"هي أكل أموال الناس بالباطل".

ليست القضية قضيّة عقلية فقط، فالعقل البشري وحده لا يستطيع أن يكشف جميع أنواع الباطل وأساليبه الشيطانية، إلا أن يكون شرع الله هو الذي يهدي العقل وينير له الطريق، ولا يستطيع العقل وحده أن يدرك جميع حقائق الحكمة الربانية البالغة في تشريعه، وقد يدرك بعضها.

فالنظام الرأسمالي والفكر العلماني لا يمكن أن ينشأ منهما عدل حقّ ينبثق من أجواء الفاحشة بكلّ أنواعها، وأجواء العدوان والغزو وسرقة ثروات الشعوب. حتى العقل البشري سيضلُّ عن الصراط المستقيم حين تدفعه وتوجهه العلمانية ومذاهبها والرأسمالية وطغيانها والشهوات والنزوات وصراع المصالح المادّية الدنيوية، وضغوط ذلك كلّه.

إنَّ بعض المسلمين الذين أخذوا يُؤوّلون بعض ما حرّم الله في نُصوص ثابتة، إنما تأثّروا بهذا الجوّ الصاخب من الديمقراطية والعلمانية، حتى أصبح كثير منهم يتحاكمون إلى عقولهم وحدها، بعيدًا عن نور الإيمان والتوحيد، وعن نصوص التشريع الربّاني، تؤثّر فيهم زخارف العلمانية وضغطها الكبير، وقد يلوون الآيات والأحاديث عن معناها الحقّ، أو يؤولونها تأويل هوى.

و"الضرورة"لها ضوابط وأحكام، فلا يجوز أن نغيّر أحكام الإسلام كلما وجدنا صعوبة في الواقع أو ضغطًا منه، ثمّ نُسمي ذلك"فقه الواقع". فلا يوجد شيء اسمه"فقه الواقع"، لأن الفقه كلّه للواقع، والواقع كلّه ركن من أركان القفه. يمكن أن نقول"فقه الاقتصاد"، أو"فقه السياسة". فالفقه له ثلاثة أركان: صفاء الإيمان والتوحيد، وصدق العلم بمنهاج الله، ووعي الواقع من خلاله لا من خلال هوى.

لقد طوّر المجرمون في الأرض جميع أسباب الفتنة والفساد في الأرض، وسخّروا العلم لذلك كلّه، فقد تعددت ألوان الفاحشة وألوان الإغراء لها، وقد تطوّرت وسائل الظلم والعدوان، وسُخّر العلم لذلك، فلا عجب إذا طوّر المجرمون في الأرض وسائل أكل المال بالباطل، وأشكال الربا، واستحدثوا منها ما لم يكن متوافرًا سابقًا، ولكنّ منهاج الله بنصوصه المطلقة الثابتة هو حقٌّ مطلق يحيط بأحوال العباد وأفعالهم في كل زمان ومكان. وإن بدا قصور فهو في جهد الإنسان وضعفه وليس في منهاج الله. لذلك جاء منهاج الله حقًّا مطلقًا للعصور كلّها وللبشرية كلها، وهذا وجه من وجوه إعجازه لا يبلُغه أيّ منهج بشري. عندما ندرس الواقع اليوم، وما قد يفرضه من ضرورة أو حاجة، فلا ندرس جزءً من الواقع ونغفل أجزاءً وأجزاءً ! فالمسلم الذي يرمي نفسه في أجواء الضرورة تحت هذا العذر أو ذاك، ولم يكن قد استفتى الإسلام حين رمى بنفسه في أجواء الضرورة أو الفتنة، حتى إذا عرضت له حاجة لا تتمّ له إلا بارتكاب الحرام، تذكر عندئذ الإسلام وأخذ يبرز حكم الضرورة والحاجة. وربما يكون ما يدّعيه بعضهم من حاجة وضرورة شرعية هو رغبة أكثر منها حاجة وضرورة، أو حاجة لتحسين مستواه يسميها ضرورة شرعية.

إنَّ ممارسة الحرام لا تجعله حلالًا، ولو كان تحت الضرورة. فالضرورة يجب أن تكون حالة غير مستديمة في أغلب الحالات، والتحريم مستديم.

والضرورة تكون لفرد أو أفراد، أمّا أنْ تكون للمسلمين جميعًا أو لقطاع واسع منهم، فتلك ضرورة تحتاج إلى وقفة طويلة، ودراسة واسعة أمينة لمعرفة سبب نشوئها وحقيقة حكمها.

فإذا كانت الحاجة والضرورة ناتجةً عن هوان المسلمين وعدم وفائهم بعهدهم مع الله، ولا بالأمانة التي يحملونها، أو ناتجة عن تقصير أدّى إلى تقصير، وتنازل أدّى إلى تنازل، حتى غلب الهوان على المسلمين، وخضعوا مستسلمين لغير شرع الله، وابتلاهم الله بما كسبت أيديهم، فتفرَّقوا ورضوا بالفرقة التي حرّمها الإسلام، وتمزّقوا ورضوا كذلك بالتمزيق، وتصارعوا وقد نهاهم الله عن ذلك، فَفُتِحَت القلوب والديار لأعداء الله الذين فرضوا شرعًا غير شرع الله، أنأتي بعد ذلك كلّه لِنُفتي لمن اضطرّته هذه التنازلات إلى ارتكاب ما يخالف الإسلام بجواز المخالفة، وندع المخالفة الأكبر والانحراف الأشدّ دون فتوى ؟! كيف يعقل هذا ؟!

لا يحلُّ لنا أن نلقي بهواننا وعجزنا وتقصيرنا وتفريطنا في أهمّ التكاليف الربَّانية على دين الله، ولا يحلّ لنا مع هذا كلّه أن نفتي لمن قنع واستسلم ورضي بحكم غير حكم الله في ألف قضيّة هامة وخطيرة، بجواز مخالفة هذه أو تلك تحت ادعاء ضرورة هو صنعها، أو صنعتها أمته وأهله.

إنَّ مفهوم الضرورة في الإسلام كان يحمل معناه والأمة المسلمة عزيزة قوية، ناهضة بمسؤولياتها. أما اليوم فللقضيّة كلّها صورة أوسع. وأول ما ندعو إليه أن ينهض المسلمون كلٌّ إلى مسؤولياته يطلب الآخرة يؤثرها على الدنيا. وأول هذه المسؤوليات الشرعية أن ينهض كل مسلم إلى الوفاء بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالآيات الكثيرة في كتاب الله، مما يفرض على كل مسلم أن يعرف دينه، وأن يعرف المسؤوليات التي سيحاسبه الله عليها والتي تقوم على الشهادتين والشعائر، التكاليف الربانية التي تنهض على الأركان الخمسة والتي تبني عليها. ومن أين يعرف المسلم هذه التكاليف الربانية إلا من منهاج الله. ونعيد ونذكّر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سبق ذكره:

( طلب العلم فريضة على كلّ مسلم )

ما بال بعض المسلمين اليوم يسألون عن الفتوى في حاجة عرضت لهم، ولا يسألون الفتوى فيما هم فيه من تقصير وعجز ومخالفة وهوان. ومن الذي عليه واجب إيقاظ المنتسبين إلى الإسلام بمسؤولياتهم الفرديّة والتكاليف الربانية ؟!

فإذا رضي هذا وذاك قرنًا أو قرنين أو قرونًا بمخالفة الإسلام والتنازل عن شرعه وأحكامه، أفيأتون ليستفتوا في حاجة عرضت، جاهلين حاجات أخرى ومسؤوليات أخرى.

أما من وجد أنه أوفى بعهده مع الله، وبالتكاليف الربَّانية، واستوعب ذلك جهده وعلمه وطاقته وأمانته، فنقول إن حسابه وحسابنا كلّنا عند الله سبحانه وتعالى.

لذلك لا بدّ من تناول قضايا واقع المسلمين اليوم ـ نتناولها واحدة واحدة حسب أهميتها في ميزان الله، لتُدْرس ويوضَع لها العلاج النابع من الكتاب والسنة، على صورة منهجيّة تجتمع عليها الأمة صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص.

ولا أجد في واقع المسلمين اليوم إثمًا ولا معصيّة أشدّ من تفرِّق المسلمين بما كسبت أيديهم.

من خلال ذلك كلّه، لا بدّ أن يتحمّل المسلم نفسه مسؤولية الضرورة التي تدفعه إلى إثم أو معصية، وأن يتخذ هو قراره بنفسه دون أن تصدر فتوى عامة للمسلمين تبيح ارتكاب ما حرّم الله فيتحمّل واحدٌ آثام الجميع. ومن وجد أنه لا يستطيع أن يُفتي لنفسه فليسأل من هو أعلم منه، على أن ينهض فورًا إلى مسؤولياته الفرديّة والتكاليف الربانية المنوطة به، وإن مثل هذا النهوض هو أول الخطوات لمعالجة هذه الأمراض، وعسى أن يغفر الله به لعباده المؤمنين الذين التقوا صفًا واحدًا يجاهدون في سبيل الله على نهج وخطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت