فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 1226

ومما ساعد على ذلك الاضطراب والتعدُّدِ أنّ الواقع لم يعد يَفرض على كل صاحب رأي أن يُتْبِع رأيه بالحجّة والبيّنة من الكتاب والسنّة دون أي تأويل فاسد، ومن الواقع الذي يُفْهَم من خلال الكتاب والسنة. لذلك أصبح من السهل إطلاق الآراء متفلّتة من هنا أو هناك، ما دامت الحجة والبيّنة غير مطلوبة، وما دام الرأي يقاس بالهوى والرغبة أحيانًا، وبالتصوّر البشري للمصلحة، وبضغط الواقع.

لقد أصبح تارك الصلاة حرًّا، وتارك الصوم حرًّا، وترى بعض النساء في كثير من الأقطار في العالم يخرجن كما يشاء لهنّ الهوى دون حشمة في اللباس، مع تبرّج وكشف للزينة، وإثارة للشهوات. وأصبح بعض الرجال المنتسبين إلى الإسلام يشربون الخمر جهارًا دونما حرج في حماية القانون.

خلاصة ذلك أن حدود الإسلام أصبحت تُنْتهك بصورة علنية، وأنَّ الفسق أصبح يُجْهَر به من الرجل والمرأة سَواءً بسواءٍ.

نظرة عاجلة في العالم الإسلامي تكشف لنا كيف أنّ عُرا الإسلام قد نُقضت عروةً فعروة، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فعن أبي أمامة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:

( لتُنقَضَنَّ عُرا الإسلام عُرْوةً عُرْوةً، فكلّما انتقضت عُرْوةً تشبّث النَّاس بالتي تليها، فأولهنّ نقضًا الحكم وآخرهنّ الصلاة ) [ رواه أحمد وابن حبان والحاكم ] (1)

في هذه الأجواء، حيث امتدت الديمقراطية والعلمانية بنظامها الرأسمالي، وحيث سيطر النظام الرأسمالي الربوي على معظم أنحاء العالم، أو جميعه، تُدعمه القوى العسكرية والإعلامية والفكرية العلمانية، وتدعمه حركات التنصير التي كانت في كثير من الأحيان ممهدة للزحف العسكري المعتدي، وتدعمه الشركات التجارية التي تجعل نشاطها كذلك ممهدًا للغزو الإجرامي الظالم، وتدعمه القوى اليهودية ومؤسساتها، في هذه الأجواء صدرت الفتاوى المتعددة المتضاربة حول البنوك وعملها، وحول الفائدة الربوية وحكمها، وحول كلّ ما يتعلّق بذلك من قضايا.

لا نشكّ لحظة في أنّ"اليهود"كانوا من بين أهم القوى التي ساهمت في بناء النظام الاقتصادي الرأسمالي الربوي، كما كانوا هم بناة النظام الربوي في التعامل الاقتصادي في الجزيرة العربية قبل أن يلغي الإسلام هذا النظام كلّه ويُحرّمه تحريمًا شديدًا.

ولقد بدأ النهي عن الربا والتحريم في العهد المكّي بقوله سبحانه وتعالى:

( وما أتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون )

[ الروم: 39]

ثمّ أخذ بعد ذلك يسيطر على النشاط الاقتصادي الذي حلّ بكلّ مقوّماته في التعامل الاقتصادي بين المسلمين محلّ النظام الربوي اليهودي حتى إذا استقرّ الحكم للإسلام، وأصبحت كلمة الله هي العليا، وشرع الله هو الأعلى، أكّد رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع حرمة الربا في خطبته في عرفة بعد أن زالت الشمس وأتى بطن الوادي، وقد اجتمع حوله أكثر من مئة وأربعة وعشرون ألفًا من الناس، فقام فيهم خطيبًا، فقال في جملة ما قال:

( …إنّ دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كلُّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ وكان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل ـ وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنّه موضوع كله …..) (2)

إذًا، كان هناك نهجٌ وخطة يدفَعُها الإسلام ويبنيها الإيمان في رعاية الوحي المتنزّل من السماء على النبوة الخاتمة. لقد كان هناك نهج رباني أُنزل ليمتدّ مع الزمن، وليمتدّ في الأرض، لا ليتوقف أو يتراجع.

أنزل الله هذه الرسالة رسالة كاملة، اكتملت مع حجة الوداع، لتحملها أمة الإسلام أمانة في عنقها حتى قيام الساعة، لتطبّقها كلّها لا جزءً منها. لتُحِلّ الحلال وتُحرّم الحرام وتقيم شرع الله في جميع شؤون الحياة.

وجاء تحريم الربا في الكتاب والسنة تحريمًا قاطعًا، أشدّ ما في الإسلام من تحريم، جاء تحريمًا بيّنًا جليًّا حتى ييسّر الله لعباده اجتناب الحرام.

وجاءت أحكام الإسلام ونصوصها تحيط بأفعال العباد في كلّ عصر وكلّ مكان إلى أن تقوم الساعة، وتوفّر البيان للمؤمن التقي لكل عمل يقوم به ليظل عارفًا بما أحلّ الله له وما حرّم عليه.

وما كان الله ليترك عباده في حَيْرة من أمرهم، لا يدرون ما هو الحلال وما هو الحرام، ومصير الإنسان مع الحرام إلى النار، إلى جهنم ! فالله أرحم بعباده من أن لا يبين لهم.واستمع إلى قوله سبحانه وتعالى:

( …. ونزّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين )

[ النحل: 89]

وكذلك في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

( إنَّ الحلال بيّن وإنّ الحرام بيّن وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهنّ كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالرّاعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإنّ لكلّ ملك حِمى ألا وإنّ حِمى الله محارمه، ألا وإنّ في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه. ألا وهي القلب )

[ رواه الشيخان ]

إنَّ التكاليف الربَّانية التي هي شأن كلّ مسلم جاء بيانها وافيًا لكل من صدق إيمانه وأتقن اللغة العربية، وذلك واجب على كلّ مسلم، ولا عذر لمسلم إذا تخلّف عن الوفاء بطلب العلم من الكتاب والسنّة كما جاءا باللغة العربية، ورضي بالبقاء على جهله.

فعن أنس وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

( طلب العلم فريضة على كلّ مسلم )

[ أخرجه الطبراني وغيره [ (3)

ولقد يسّر الله برحمته القرآن الكريم للذكر، للتلاوة والتدبّر والعمل به: ( ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر )

[ القمر: 17]

"فالربا"كما جاء تحريمه في القرآن والسنّة، لا بدّ أن يكون واضحًا جليًّا لكلّ مسلم حتى لا يقع أحد في أمر حرام ولا في شبهة. فأمر"الربا"متعلّق بكلّ مسلم وليس يطبقه خاصة من المسلمين.

والحلال والحرام لا يُبيَّن إلا من عند الله ورسوله، وليس لأحد أن يحرِّم أو يُحلِّل دون نصّ من الكتاب والسنّة، أو اجتهاد قائم على نصّ واضح. وأمر ذلك عظيم، فالناس ستقف للحساب يوم القيامة، ثمّ إلى جنّة أو نار، فلا يُعقل أبدًا أن يترك الله سبحانه وتعالى أي أمر يقود إلى النار إلا بيّنه، فإذا التبس الأمر على أحد فهو نتيجة خلل عنده وليس في منهاج الله، وعليه أن ينهض ليعالج الخلل عنده، كجهله باللغة العربية وعدم طلبه العلم من الكتاب والسنة، أو غلبه الهوى والشهوات في نفسه، وخضوعه لضغط الواقع، فيؤوّل ويُفسد في التأويل:

( ….فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد )

[ ق: 45]

والرّبا المحرّم في الإسلام هو كلّ ربا كان معروفًا لدى المسلمين، أو لم يكن معروفًا، ما دامت عِلّة الربا متحقِّقة فيه، إلى يوم القيامة. ذلك لأنّ نصوص الأحكام تحيط بجميع أفعال العباد إلى يوم القيامة في أي مكان رحمة منه سبحانه وتعالى بعباده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت