فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 1226

أما بعد، فقد سألني غير واحد عن معاملة يتعاطاها كثير من الناس وهي أن بعضهم يدفع إلى البنك أو غيره مالًا معلوما على سبيل الأمانة أو ليتجر به القابض على أن يدفع القابض إلى الدافع ربحا معلوما كل شهر أو كل سنة مثال ذلك أن يدفع شخص إلى البنك أو غيره عشرة آلاف ريال أو أقل أو أكثر على أن يدفع إليه القابض مائة ريال أو أكثر أو أقل كل شهر أو كل سنة، وهذه المعاملة لا شك أنها من مسائل الربا المحرم بالنص والإجماع وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن أكل الربا من كبائر الذنوب ومن الجرائم المتوعد عليها بالنار واللعنة. قال الله سبحانه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} . ففي هذه الآيات الكريمات الدلالة الصريحة على غلظ تحريم الربا وأنه من الكبائر الموجبة للنار كما أن فيها الدلالة على أن الله سبحانه يمحق كسب المرابي ويربي الصدقات أي يربيها لأهلها وينميها حتى يكون القليل كثيرا إذا كان من كسب طيب. وفي الآية الأخيرة التصريح بأن المرابي محارب لله ورسوله وأن الواجب عليه التوبة إلى الله سبحانه وأخذ رأس ماله من غير زيادة. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء، فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله سبحانه ويراقبه في جميع الأمور وأن يحذر ما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال والمكاسب الخبيثة ومن أعظمها وأخطرها مكاسب الربا الذي أنزل الله فيه ما يوجب الحذر منه والتواصي بتركه، وقد نقل أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة رحمه الله في كتابه المغني عن الحافظ ابن المنذر إجماع العلماء على تحريم مثل هذه المعاملة وفي ذلك كفاية ومقنع لطالب الحق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

التحذير من الربا وخطره

عبدالعظيم بدوي الخلفي ... ... ...

الخطبة الأولى ... ... ...

عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله: (( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله تعالى من ستة وثلاثين زنية ) ).

إن الصدقة هي الوجه المشرق الصالحة للمعاملة التي يتعامل بها الناس، ويقابلها الوجه الكالح الطالح وهو الربا، وشتّان بين الوجهين:

فالصدقة عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل.

والربا شح وقذارة ودنس، وأثرة وفردية.

والصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد.

والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه، من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لعمله هو وكده، ومن لحمه إن كان لم يربح أو خسر، أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئا.

ولهذا تحدث القرآن عن الصدقة ثم أتبعها بالحديث عن الربا، الوجه الآخر الكالح الطالح، وكشف عما في عملية الربا من قبح وشناعة، ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع، وفساد في الأرض وهلاك للعباد.

ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا، ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ من التهديد في أمر الربا.

ولما كان الربا قد شاع في عصرنا هذا شيوعا كثيرا جعل السلامة منه من الصعوبة بمكان، كان لابد من الحديث عن الربا وبيان خطره وخطر عقوبته لعل المرابين يتقون أو يحدث لهم ذكرا، فنقول وبالله التوفيق:

الربا في اللغة: الزيادة

قال تعالى: وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت [الحج:5] .

وهو في الشرع: الزيادة في الدين على رأس المال قلّت أو كثرت، وهو حرام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.

قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة [آل عمران:130] .

وليس القيد هنا لإفادة الشرطية، ولكنه لبيان الواقع فلا يعتد به، بدليل قوله تعالى: وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم [البقرة:279] .

وقال النبي: (( اجتنبوا السبع الموبقات... ) )وعدّ منها الربا.

وقال: (( الربا بضع وسبعون بابا، أهونها مثل إتيان الرجل أمه ) ).

وقال: (( ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة ) ).

وفي حديث الرؤيا الطويل عند البخاري: (( أن النبي أتى على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرا، فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، كلما رجع فغر له فاه فألقمه حجرا، فقال: ما هذا؟ فقيل له: إنه آكل الربا ) ).

ولقد شن القرآن الكريم حملة شديدة عنيفة على المرابين نسوقها بلفظها ثم نأتي عليها بالبيان.

قال تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [البقرة:275-281] .

إنها الحملة المفزعة، والتصوير المرعب الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس مبلغ هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة، صورة الممسوس المصروع وهي صورة معروفة معهودة للناس. والنص يستحضرها لتؤدي دورها الإيحائي في إفزاع الحس لاستجاشة مشاعر المرابين، وهزّها هزّة عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم ومن حرصهم على ما يحققه لهم من الفائدة.

والذين يأكلون الربا ليسوا هم الذين يأخذون الفائدة الربوبية وحدهم، إنما هم كل المتعاونين على إجراء العملية الربوية:

عن جابر بن عبد الله قال: (( لعن رسول الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه وكاتبه، وقال: هم سواء ) ).

والقرآن يصفهم بأنهم لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت