فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 1226

تقوم الحكومة الجزائرية بدعم الفلاحين في بعض المشاريع الزراعيّة بتقديم نسبة مئوية من تكلفة المشروع للفلاح ، و على الفلاّح أن يدفع النسبة الباقية من تكلفة المشروع بنفسه .

و إن كان غير قادر على ذلك اقترضها من البنك بدون فوائد .

و يتمّ إنجاز المشروع ( كحفر الأبار مثلا ) من طرف مقاول يختاره الفلاح و إن كان قادرا على إنجازه بنفسه مع عمال قام بذلك ( كغرس النخيل مثلا ) .

لكن لا تقوم الحكومة بدفع النسبة المذكورة أعلاه إلا عن طريق البنك المذكور حيث يأخذ من تكلفة المشروع نسبة 3 بالمائة معتبرًا إياها - خدمات و مرتبات للموضفين و نحو ذلك .

كما يشترط على الفلاح المدعوم تأمين المشروع و فتح حساب بنكي بمبلغ يقدر بثلاثة آلاف دينار جزائؤي في البنك الوسيط .

ملاحظات:

1-لا يوجد أي نشاط في البلاد لا يخضع للتأمين حتى مرتبات الموظفين .

2-البنك الوسيط يتعامل بالربا وبغير الربا .

فما حكم الشرع في هذه المعاملة ؟

الجواب:

أقول مستعينًا بالله تعالى:

ما ذكره الأخ السائل في مطلع سؤاله من إمكانيّة الحصول على قرض غير ربوي ( بدون فوائد ) ، لا إشكال فيه ، و له أن يقترض ما شاء ممّن شاء إذا تيقّن خلوَّ العقد من الربا المحرّم .

و إذا كانت الدولة أو غيرها من الجهات الدافعة لا تؤدّي إليك حقّك إلا عن طريق مصرِفٍ يقتطع من المبلغ المستحق نسبةً مئويّة قلّت أو كثُرَت ، و أنت مُكره لا خيار لك في ذلك ، فلست آكلًا للربا و لا موكلًا له ، و الإثم على معطيه و آخِذه .

و ما مَثل هذه الحالة إلا كمثل ما تقوم به بعض الحكومات و الشركات الكبرى التي تؤدّي رواتب الموظّفين و العمّال عن طريق المصارف الربويّة حصرًا ، فتشترط على الموظّف فتح حسابٍ جارٍ باسمه ، و تودع راتبَه الشهريّ في حسابه مباشرةً ، و لا تُعطيه حقّه نقدًا ( يدًا بيدٍ ) و إن طلب ذلك و أصرَّ عليه ، فلا يقَع الإثم عليه في هذه الحال ، و عليه أن يَقبضَ ما يودَع في حسابه من مال فورَ تمكّنه كي لا تترتب عليه زيادةٌ رِبويّة عائدةٍ له أو للمصرِف .

و عليه فإذا كان للأخ السائل خيارٌ في استلام القرض مباشرةً من المقرِض ، فلا يجوز له غير ذلك ، أمّا إن أُكرهَ على القَبض عن طريق المصرف ، فلا بأس في ذلك ، و الإثم على من ألجأه إليه ، و أكرهه عليه .

ثمّ لا أدري إن كانت زيادة الثلاثة في المائة ( المذكورة في السؤال ) تُدفَع مرّة واحدة خلال مدة العقد التي قد تطول ، أو تُدفع مرّةً كلّ سنةٍٍٍ ، فإن كانت تؤدى مرّةً واحدةً لِقاء خدمات مُحدّدةٍ معلومة ، لا يؤثّر فيها تأخر السداد ، فقد يكون الأمر لقاء خدمات مصرفيّة حقًّا ، و مع ذلك فلا بدّ من التأكد قبل إجراء العقد ، فإذا انتفى الربا يقينًا ، و تمّ الاتفاق على أجرةٍ للخَدمات المقدَّمة من المصرف حقيقةً لا تحايلًا فلا بأس في العقد في هذه الحال و الله أعلم .

أمّا إن كانت هذه الزيادة ، تُدفَع سنويًا ، أو تزيد في حال التأخّر عن السداد ، أو كانت هناك زيادة أخرى - مهما كان مقدارها - يدفعها المقترض مقابل الأجل ؛ فالزيادة في هذه الحال رِبَويّة و لا أثر لتسميتها فوائد أو رسوم خدمات أو غير ذلك في الحكم ، إذ إنّ العبرة في العقود بالمقاصد و المعاني ، لا بالألفاظ و المباني كما هو مقرّر عند أهل العلم .

و على من أراد الحصول على قَرضٍ للزراعة ( الفِلاحة ) أو غيرها أن يحتاط من الربا ، و لا يتوسّع في باب الضرورات ، لأنّ الضرورة تُقدّر بقَدَرِها ، و من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه .

أمّا قول السائل: ( لا يوجد أي نشاط في البلاد لا يخضع للتأمين حتى مرتبات الموظفين ) فالظاهر فيه أنّ التأمين إجباريٌّ في بلد السائل ، و إذا كان كذلك فلا إثمَ على الأفراد المكرهين عليه ، ما لم يُقدموا عليه اختيارًا .

أمّا التأمين الاختياري فالبحث فيه يطول ، و الخلاف في آحاد مسائله مشهور ، و ليس هذا مقامَ بيانِه ، لعدَم السؤال عنه .

و كونُ المصرف الوسيط يتعامل بالربا و بغير الربا ، كافٍ لوجوب الشبهة في تعاملاته ، خاصّةً و أنّ بعض المصارف تودِعُ أموال المستثمرين في حسابات تزعم أنّها لا تتعامل فيها بالربا ، بل تعيد إليهم رؤوس أموالهم عندَ الطَلَب بدون زيادةٍ أو نُقصان ، و لا يعني هذا أنّها أبقَت هذه الأموال مجمّدةً في خَزَائنِها ، بل ربّما أُقرِض بعضها و ترتّبت على إقراضه زيادات ربويّة استأثر بها المصرف ، و لم يؤدّها إلى المودِع ، و هذا لا يُخرج المعاملة من دائرةِ المحرّمات ، لوجود الربا فيها و إن لم يقبضه المودِع .

و لذلك أرى أنّ التعامل مع المصرِف الرِبويِّ محرّمٌ شَرعًا ، لأنّ في ذلك إعانةٌٌٌ على الربا و إن لم يكُن أكلًا مباشرًا له ، لأنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: ( هُمْ سَوَاءٌ ) فيما رواه مسلم و الترمذي و أحمد عَنْ جَابِر بن عبد الله رضي الله عنه .

و بالجملةِ فلا بأس من الحصول على قرضٍ من الدولة إذا خلا من الربا يقينًا ، و إلاّ فلا ، و الله تعالى أعلم .

و أسأل الله تعالى أن يوفقنا و الأخ السائل ، و سائر المسلمين لما فيه صلاح الدنيا و الدين .

و الحمد لله ربّّّ العالمين ، و صلى الله و سلّم و بارك على نبيّنا محمّد و آله و صحبه أجمعين .

كتبه

د . أحمد عبد الكريم نجيب

وضع المال في البنك ، وأخذ الفائدة عليه ، والتصرف بها

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعد

فقد جمعنا مجلسٌ علمي مع بعض أفاضل إخواننا ، وكان من ضمن الأسئلة التي تدوولت في اللقاء: السؤال عن مدى جواز وضع المال في البنوك الربوية ؟ وهل يجوز لمن اضطر لوضعها أن يخذ الفائدة والزيادة الربويَّة ؟ وأين يتم تصريفها بعد أخذها ؟

وكان من رأيي: أنه لا يجوز للإنسان المسلم ابتداءً أن يضع ماله في البنوك الربويَّة ، وأنه كما أنه يأمن على أهله في البيت ، فإنه من باب ولى أن يأمن على ماله ، إلا إذا كان المال أعز عنده من أهله !

ولم نسمع عن دعوة لوضع الأهل في مكان حين خروج الواحد من أصحاب الأموال خارج بيته !

لذا لا يجوز وضع المال ابتداءً إلا في حال الضرورة القصوى والت يخاف فيها الإنسان على نفسه وأهله وماله .

وقد تيسرت في هذا الزمان وسائل كثيرة لحماية الأموال لم تكن معروفة في الأزمنة الغابرة مع كثرة الأموال فيما مضى .

وأما الجواب عن الثاني: فهو أنه من اضطر لوضع ماله في البنك فإنه ( يجب ) ! عليه أن يأخذ ما يكون في رصيده من المال الربوي الزائد ، وأنه ( لا يجوز ) له أن يمكن الكفرة أو الفجرة من هذا المال لا لشخصهم ولا لمؤسستهم .

وأما الجواب عن الثالث: فهو أنه يجوز أن يتصرف في المال في ( جميع ) وجوه الخير من غير إلزام بجانب معين ، وذلك لعدم وجود الفرق فضلا عن الدليل بين جوانب الخير .

فيجوز دفعها طعامًا للفقراء ، أو كسوة للعرايا ، أو قضاءً لدين المدينين ، أو إعانة للمجاهدين . والله أعلم

ثم وجدت بعد مجلسنا ذاك بعض فتاوى لكبار علمائنا بمثل ما ذكرت فأحببت ذكرها للفائدة .

والحمد لله على توفيقه

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

أما ما أعطاك البنك من الربح: فلا ترده على البنك ولا تأكله ، بل اصرفه في وجوه البر كالصدقة على الفقراء ، وإصلاح دورات المياه ، ومساعدة الغرماء العاجزين عن قضاء ديونهم ، …"فتاوى إسلامية" ( 2 / 407 ) .

سئل الشيخ ابن جبرين حفظه الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت