أحبتي في الله في مثل هذا الموسم موسم الحج وفي حجة الوداع قام خير البرية صلوات ربي وسلامه عليه ومن أوتي جوامع الكلم على صعيد عرفة الطاهر يخطب في جموع المسلمين معه ويضع لهم وللأمة من بعدهم دستور حياتهم ؛ وحيث أنه أوتي جوامع الكلم فيصعب على عبد ضعيف مثلي أن يعرض لتلك الخطبة الجامعة في مثل هذا الموقف ولكن لعلي أقف في كل عام وقفة مع تلك الكلمات العظيمة ، وأول كلمات أقف معها هي قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ) )، نعم إنه تحريم لتلك الآفة العظيمة التي طالما دمرت دول وأفقرتها وحولتها من حال الغنى لحال الفقر ، تلك الآفة التي تمثل أبشع أنواع الاستغلال من الغني للفقير، ذم الله جل جلاله في كتابه أمم من قبلنا أكلت الربا وبين أنه كان من بين أسباب عقوبتهم حيث قال: { فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161} النساء، أيها الأحبة في الله لقد نهانا ربنا وخالقنا عن أكل الربا في مواطن عدة من كتابه الكريم فقال سبحانه: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(278} وقال عظم شأنه: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130} ، وحذرنا منه أيضًا حبيبنا ورسولن صلى الله عليه وسلم: حيث عده من السبع الكبائر الموبقات، وقد بدل لنا وهو الناصح الشفوق بأمته الجهد في ضرب الأمثال لشناعة هذا الفعل حيث قال:(( الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه .. ) )أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي والبن جرير، فقولوا لآكل الربا أَيَسُرُهُ أن ينكح أمه وهو ما يعادل أدنى أبواب الربا فكيف بمن يأتي بأعظمها ، عباد الملك الجبار لاشك أنكم تعلمون شدة جريمة الزنا وحرمتها وما أعد الله لفاعلها ، لكن جريمة الربا أشد أخبر بذلك من لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى حيث قال: (( دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً ) )، ومن خطورة جريمة الربا ياعباد الله أنها لاتقتصر على أكل الربا وموكله لكنها تمتد لتشمل كل من أعان عليه أو شارك فيه فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ)أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح فأين من يعملون في كتابة الربا عن هذا الوعيد أيحب أحدهم أن تناله اللعنة والعياذ بالله وهل يعلم معن اللعن بأنه الطرد والإبعاد عن رحمة الله ، فهل إذا لم يرحمه الله تكفيه رحمة صاحب الربا الذي يعمل لديه ؟ هذا إن كان في قلبه رحمة ولا أخال من تعامل بالربا في قلبه رحمة . عباد الله تعالوا ننظر إلى حال آكل الربا في الدنيا ماذا يحصل لأمواله ولو جمع الملايين من الريالات يخبرنا بذلك العليم الخبير بقوله: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} ويقول: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ} ، فقد تعهد الجبار بمحق أموال الربا مهما عظمت وهو جل جلاله لايخلف الميعاد وقد يقول بعض من قصر نظره إنا نرى أناسًا من أكلة الربا لم تمحق أموالهم فنقول لهم دققوا النظر في حالهم واعرفوا أحوالهم وحياتهم الشخصية وانتظروا عاقبتهم وسترون المحق واضحًا جليًا،ألم يغتر قومٌ بما عند قارون من أموال وإمهال الله له ثم لما نزل به العقاب تبصروا؟ثم إن آكل الربا يقطع الحبل الذي بينه وبين خالقه وهو الدعاء فالعبد ضعيف بذاته لايملك لنفسه ضرًا ولانفعًا مفتقر لربه في كل أموره يقول جل وعلا: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} وجعل لنا جل شأنه الدعاء وسيلة الإتصال بين فقرنا وغناه،وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك فكيف بالله بمن أكل الربا،آكل الربا يوبق نفسه وأهله قال صلى الله عليه وسلم في وصيته لكَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ: (( ياكَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ ) )أخرجه الأمام أحمد والترمذي وحسنه فهذا يؤكل زوجته وأولاده من سحت الربا فكيف يكون حالهم،ولذى أقول أيها الأحبة أنه من زار شخص يتعامل أو يعمل