"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى . يا رسول الله!! قال إصلاح ذات البين"قال"وفساد ذات البين هو الحالقة".
ففى هذه الأحاديث الشريفة دعوة قوية إلى الاصلاح بين الناس حتى يعيشوا في أمان واطمئنان .
وبذلك نرى أن هذه الأمور الثلاثة التى أخرجها الله - تعالى - من التناجى المذموم هى جماع الخير الإِنسانى والاجتماعى .
وقد أشار الإِمام الرازى إلى ذلك بقوله: هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة . والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ثم إنه - تعالى - ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة . والأمر بالمعروف . والاصلاح بين الناس .
وإنما ذكر الله - تعالى - هذه الأقسام الثلاثة ، لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة . أما إيصال الخير: فإما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال . وإليه الإِشارة بقوله: { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } . وإما أن يكون من الخيرات الروحانية وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم ، أو تكميل لاقوة العملية بالأفعال الحسنة . ومجموعهما عبارة عن الأمر بالمعروف . وإليه الإشارة بقوله { أَوْ مَعْرُوفٍ } وأما إزالة الضرر فإليها الإشِارة { أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ الناس } فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية .
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة من يقوم بفعل هذه الفضائل فقال: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابتغآء مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } .
أى: ومن يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإِصلاح بين الناس ، قاصدا بفعله رضا الله وحسن مثوبته ، فسوف نؤتيه أجرًا عظيما لا يعرف مقداره غلا الله - تعالى - وقال - سبحانه - ومن يفعل ذلك ولم يقل ومن يأمر بذلك كما جاء في صدر الآية . لأن المقصود الترغيب في هذا الفعل الحسن ، لأن الآمر بالخير إذا دخل في زمرة الخيرين كان الفاعل أحرى بالدخول في زمرتهم .
وفى تقييد الفعل بكونه ابتغاء مرضاة الله ، تحريض على إخلاص النية ، لأن الأعمال بالنيات ، وإذا صاحب الرياء الأعمال أبطلها ومحق بركتها .
والتعبير بسوف هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل . أى . فسوف نؤتيه أجرًا لا يحيط به نطاق الوصف ، ولن نبخسه شيئا من حقه حتى ولو كان هذا الشئ بالغًا النهاية في الصغر . (1)
لقد تكرر في القرآن النهي عن النجوى؛ وهي أن تجتمع طائفة بعيدًا عن الجماعة المسلمة ، وعن القيادة المسلمة ، لتبيت أمرًا . . وكان اتجاه التربية الإسلامية واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأتي كل إنسان بمشكلته أو بموضوعه ، فيعرضه على النبي - صلى الله عليه وسلم - مسارة إن كان أمرًا شخصيًا لا يريد أن يشيع عنه شيء في الناس . أو مساءلة علنية إن كان من الموضوعات ذات الصبغة العامة ، التي ليست من خصوصيات هذا الشخص .
والحكمة في هذه الخطة ، هو ألا تتكون « جيوب » في الجماعة المسلمة؛ وألا تنعزل مجموعات منها بتصوراتها ومشكلاتها ، أو بأفكارها واتجاهاتها . وألا تبيت مجموعة من الجماعة المسلمة أمرًا بليل ، وتواجه به الجماعة أمرًا مقررًا من قبل؛ أو تخفيه عن الجماعة وتستخفي به عن أعينها - وإن كانت لا تختفي به عن الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول .
وهذا الموضع أحد المواضع التي ورد فيها هذا النهي عن التناجي والتبييت بمعزل عن الجماعة المسلمة وقيادتها . .
ولقد كان المسجد هو ندوة الجماعة المسلمة ، تتلاقى فيه وتتجمع للصلاة ولشؤون الحياة . وكان المجتمع المسلم كله مجتمعًا مفتوحًا؛ تعرض مشكلاته - التي ليست بأسرار للقيادة في المعارك وغيرها؛ والتي ليست بمسائل شخصية بحتة لا يحب أصحابها أن تلوكها الألسن - عرضًا عامًا . وكان هذا المجتمع المفتوح من ثم مجتمعًا نظيفًا طلق الهواء . لا يتجنبه ليبيت من وراء ظهره ، إلا الذين يتآمرون عليه! أو على مبدأ من مبادئه - من المنافقين غالبًا - وكذلك اقترنت النجوى بالمنافقين في معظم المواضع .
وهذه حقيقة تنفعنا . فالمجتمع المسلم يجب أن يكون بريئًا من هذه الظاهرة ، وأن يرجع أفراده إليه وإلى قيادتهم العامة بما يخطر لهم من الخواطر ، أو بما يعرض لهم من خطط واتجاهات أو مشكلات!
والنص القرآني هنا يستثني نوعًا من النجوى . . هو في الحقيقة ليس منها ، وإن كان له شكلها:
{ إلا من أمر بصدقة أو معروف ، أو إصلاح بين الناس } . .
وذلك أن يجتمع الرجل الخير بالرجل الخير ، فيقول له: هلم نتصدق على فلان فقد علمت حاجته في خفية عن الأعين . أو هلم إلى معروف معين نفعله أو نحض عليه . أو هلم نصلح بين فلان وفلان فقد علمت أن بينهما نزاعًا . . وقد تتكون العصبة من الخيرين لأداء أمر من هذه الأمور ، وتتفق فيما بينها سرًا على النهوض بهذا الأمر . فهذا ليس نجوى ولا تآمرًا . ومن ثم سماه « أمرًا » وإن كان له شكل النجوى ، في مسارة الرجل الخير للخيرين أمثاله بأمر في معروف يعلمه أو خطر له . .
على شرط أن يكون الباعث هو ابتغاء مرضاة الله:
{ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا } . .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1070)