قال ابن العربي:"إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركًا، إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه في الفعل، وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص، فافهموه".316
قال النسفي في تفسيره لقول الله تعالى: ]وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضلّ ضلالًا مّبينًا[ (الأحزاب:36) :"فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق".317
ويكفي في تبيان هذا المعنى فهم قول النبي e: (( إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع ) ).318
قال النووي:"معناه: ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع، وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه".319
إذًا الحكم بما أنزل الله شرعة لازمة لا انفكاك للمجتمع المسلم عنها، والتولي عن شرع الله وتبديل أحكامه كفر مخرج من الملة ، واتباع للهوى وعبادة للطاغوت من دون الله.
الكفر الأصغر
لكن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون من الكفر الأصغر، بل قد لا يكون معصية أصلًا.
وقد عدد العلماء الحالات التي لا يخرج فيها الحاكم بغير شريعة الله من الإسلام.
وأولها: أن يترك الحكم بما أنزل الله في بعض مسائله لهوى في نفسه، مع اعتقاده أن شرع الله هو الخير المطلق الذي لا يعدله هدي غيره ولا يدانيه.
يقول القرطبي:"إن حكم به [بغير ما أنزل الله] هوى ومعصية، فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين" .320
ويقول ابن تيمية:"أما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة".321
يقول ابن القيم:"إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر".322
يقول الطحاوي:"الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرًا إما مجازيًا وإما كفرًا أصغر.. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافرًا كفرا مجازيًا أو كفرًا أصغر".323
وهذه الصورة هي التي عناها ابن عباس والتابعون من بعده، حين وصفوا الحكم بغير شرع الله أنه كفر دون الكفر الأكبر، قال ابن عباس:"إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[ (المائدة: 44) كفر دون كفر".324
وقال عطاء:"كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم".325
وقال طاووس:"ليس بكفر ينقل عن الملة".326
وثانيها: أن يكون عاجزًا عن تطبيق الشريعة، فهذا لا يكفر، لأن الأوامر الشرعية مقرونة بالاستطاعة ] فاتقوا الله ما استطعتم [ (التغابن: 16) .
وقد ضرب العلماء أمثلة لذلك، أوضحها النجاشي رحمه الله، فقد كان ملكًا على قومه، فأسلم دونهم، وما قدر على تعلم الشريعة فضلًا عن تطبيقها، ومع ذلك فإن أحدًا لا يشك في صحة إسلامه رحمه الله.
يقول شيخ الإسلام:"النجاشي، هو وإن كان ملك النصارى، فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه، فصلى عليه النبي r بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى، فصفهم صفوفًا، وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات وقال: (( إن أخًا لكم صالحًا من أهل الحبشة مات ) ).327"
وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها، لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه، فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن يمكنه، أن يحكم بينهم بحكم القرآن.. فإن قومه لا يقرونه على ذلك.. النجاشيُّ وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا مع شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها، ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب".328"
كما مثّل رحمه الله بالقضاة الذين ولوا القضاء زمن التتار، فحكموا بغير الشريعة، وما كانوا يقدرون على غير ذلك، يقول:"وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا، بل وإمامًا، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها".329
وبهذا تستبين هذه المسألة التي زلّت عندها الأقدام، ويستبين الحق، فما كل تارك لحكم الله كافر، بل الأمر - كما رأيتَ - فيه تفصيل، وفي الوقوف عند كلام العلماء وتحقيقهم للمناط فيها مندوحة عن الكثير من موارد الغلو والزلل والشطط.
الخاتمة
وبعد، فإن خطورة هذه الظاهرة وما تستتبعه من قتل وخروج على ولاة الأمر وتمزيق لصف المسلمين، برمي مخطئهم الجاهل والمقلد بالكفر، كل ذلك يدعو إلى وقفة جادة للبحث عن مخرج من هذا المرض قبل اسستفحاله.
وإن علاج ظاهرة التكفير يبدأ بإدراكنا لخطورتها ووقوفنا على أسبابها، والتي يكفل لنا تجفيفها القضاء على هذه الظاهرة الشاذة التي عادت تتسرب من جديد.
وأهم علاج وأنجعه هو صنيع النبي e، وأصحابه الكرام، وهو نشر العلم الصحيح الموروث عن الله وعن رسوله r في الكتاب والسنة، وفهمهما على هدي وفهم السلف الصالح من أصحاب القرون المفضلة.