وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروفًا من القرآن، مثل إنكار بعضهم قوله: ] أفلم ييأس الذين آمنوا [ (الرعد: 31) وقال: إنما هي: أو لم يتبين الذين آمنوا، وإنكار الآخر قراءة قوله: ] وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه[ (الإسراء: 23) .، قال: إنما هي: ووصى ربك.
وبعضهم كان حذف المعوذتين، وآخر يكتب سورة القنوت، وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر، ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر..".298"
ويقول وهو يذكر صورًا أخرى من الاختلاف في مسائل العقيدة خالف فيها بعضهم مذهب الحق ولم يكفرهم أهل السنة، لأن"الخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية.. كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه، مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يرى لقوله: ]لا تدركه الأبصار [ (الأنعام: 103) ، ولقوله: ] وما كان لبشرٍ أن يكلّمه اللّه إلاّ وحيًا أو من وراء حجابٍ [ (الشورى: 51) . نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى، وفسروا قوله ] وجوه يومئذٍ نّاضرة إلى ربّها ناظرة[ (القيامة: 22-23) . بأنها تنتظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبي صالح..."
وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي لاعتقادهم أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به.. وكالذي قال لأهله: (( إذا أنا مِتّ فأحرقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين ) ). وكثير من الناس لا يعلم ذلك، إما لأنه لم تبلغه الأحاديث، وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط".299"
ونقل رحمه الله عن العلماء من السلف أنهم كانوا"لا يؤثمون مجتهدًا مخطئًا، لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر عنهم ابن حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، ويصححون الصلاة خلفهم، والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين، ولا يصلي خلفه. وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية [فقهية] ولا علمية [اعتقادية] " .300
وقال شيخ الإسلام:"فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي e وجماهير أئمة الإسلام".301
وعليه نجمل فنقول بأن ما ذكرنا عن الإعذار بالجهل أو التأويل أو الإكراه وغيرها هو رحمة من الله يتفضل بها على عباده الذين ما قصدوا محادّته ، ولا عمدوا إلى مخالفة أمره، وهي فضل يشمل قضايا المعتقد والفقه بلا تفريق، فالتفريق بينها عند أهل العلم: في باب التعليم والتدريس، لا الأحكام، فإنّ من أخطأ - مع استفراغ الوسع والجهد - في باب من أبواب المعتقد كان كمن أخطأ في مسائل الفقه والأحكام سواء بسواء، فعفو الله ورحمته تنال الجميع.
الحكم بغير ما أنزل الله
لعل قضية الحكم بغير ما أنزل الله من أهم القضايا التي زلت بها الأقدام في مسألة التكفير، إذ أدت بالبعض إلى تكفير كل حاكم بغير ما أنزل الله من غير تفريق بين صنوفه المختلفة، واستجرهم ذلك إلى تكفير ولاتهم ووزرائهم ثم شرطتهم، ثم سائر أفراد المجتمع الذين رضوا بحكمهم ولم يثوروا عليهم.
وفي البدء نؤكد أن الحكم بما أنزل الله حق لله تعالى، وأنه من أخص خصائص الألوهية التي هي حق لله بموجب ربوبيته ] ألا له الخلق والأمر[ (الأعراف: 54) .
يقول ابن تيمية:"ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول r في كل ما شجر بين الناس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء أن لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما حكم ويسلموا تسليمًا".302
وقوله مصداق لقول الله تعالى: ] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا[ (النساء: 65) .
أما النكول عن تحكيم شرع الله، إلى شرع غيره، فهو عبادة للطاغوت، وصورة من صور الشرك بالله العظيم ] ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا[ (النساء: 60) .
وجعل الله التحاكم إلى شرعه والانقياد لأمره ميزانًا يستبين فيه الإيمان من النفاق، فحال المنافقين كما قال الله تعالى: ] ويقولون آمنّا باللّه وبالرّسول وأطعنا ثمّ يتولّى فريق مّنهم مّن بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى اللّه ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق مّنهم مّعرضون وإن يكن لّهم الحقّ يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف اللّه عليهم ورسوله بل أولئك هم الظّالمون[ (النور: 47 - 50) .
وأما المؤمنون فإن حالهم مختلف ]إنّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى اللّه ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون[ (النور:51) .
يقول شيخ الإسلام:"ذم [الله عز وجل] المدعين الإيمان بالكتب كلها، وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة، ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من دون الله، كما يصيب ذلك كثيرًا ممن يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم، أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك وغيرهم" .303