فهرس الكتاب

الصفحة 689 من 738

ودليل هذه المسألة مقرر في قول الله تعالى: ] من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم[ (النحل: 106) .

قال الجصاص:"قال أبو بكر: هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه".273

قال ابن حجر:"وأمّا من أكره على ذلك فهو معذور بالآية , لأنّ الاستثناء من الإثبات نفي، فيقتضي أن لا يدخل الذي أكره على الكفر تحت الوعيد..".274

ومن أدلة قاعدة العذر بالإكراه أيضًا قوله تعالى: ] لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلا أن تتقوا منهم تقاةً ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير[ (آل عمران: 28) .

قال ابن حجر:"ومعنى الآية: لا يتّخذ المؤمن الكافر وليًّا في الباطن ولا في الظّاهر إلّا للتّقيّة في الظّاهر، فيجوز أن يواليه إذا خافه، ويعاديه باطنًا...".275

كما عذر الله في التخلف عن الهجرة المستضعفين المكرهين على البقاء في مكة، واستثناهم من أليم عذابه وشديد وعيده، حين قال متوعدًا المتخلفين في مكة: ] فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا [ (النساء: 97-98) .

قال البخاري:"فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به، والمكره لا يكون إلا ممتنعًا من فعل ما أمر به".276

وجاء في الحديث المشهور المروي عن النبي r أنه قال: (( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ).277

قال القاضي أبو بكر ابن العربي:"والخبر وإن لم يصح سنده، فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء".278

وقال الشاطبي في معنى الحديث:"هو معنى متفق عليه في الجملة، لا خلاف فيه".279

وقال ابن حجر عن هذا الحديث:"وهو حديث جليل , قال بعض العلماء: ينبغي أن يعدّ نصف الإسلام , لأنّ الفعل إمّا عن قصد واختيار أو لا , الثّاني ما يقع عن خطأ أو نسيان أو إكراه، فهذا القسم معفوّ عنه باتّفاق".280

واختلف أهل العلم في تحديد معنى الإكراه، كما اختلفوا في مقدار ما يباح للمسلم حال الإكراه.

وفي تعريف الإكراه بقول ابن حجر:"هو إلزام الغير بما لا يريده".281

ويزيد ابن حزم التعريف شرحًا وبيانًا، فيقول:"والإكراه هو كل ما سمي في اللغة إكراهًا، وعرف بالحس أنه إكراه، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك، أو الوعيد بالسجن كذلك، أو الوعيد بإفساد المال كذلك، أو الوعيد في مسلم غيره بقتل أو ضرب أو سجن أو إفساد مال".282

وقال القرطبي:"وقال النخعي: القيد إكراه، والسجن إكراه، وهذا قول مالك، إلا أنه قال: والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به...."

وتناقض الكوفيون، فلم يجعلوا السجن والقيد إكراهًا على شرب الخمر وأكل الميتة، لأنه يخاف منهما التلف، وجعلوهما إكراهًا في إقراره: لفلان عندي ألف درهم.

قال ابن سحنون: وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد إكراه ما يدل على أن الإكراه يكون تلف نفس، وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف ولا حنث عليه، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور".283"

واعتبار السجن والتعذيب والقيد من صور الإكراه منقول عن الصحابة رضي الله عنهم،، فقد"أخرج عبد بن حميد بسندٍ صحيح عن عمر قال: (ليس الرّجل بأمينٍ على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذّب) ، ومن طريق شريح نحوه وزيادة، ولفظه: (أربع كلهنّ كره: السّجن والضّرب والوعيد والقيد ) ، وعن ابن مسعود قال: ( ما كلام يدرأ عنّي سوطين إلا كنت متكلمًا به ) ، وهو قول الجمهور".284

وعلى الرغم من اعتبار العلماء لهذه الصور المختلفة إكراهًا، فإنهم لم يجيزوا التلفظ بكلمة الكفر في كل من هذه الصور، إذ لا يكفي أن يوضع القيد في معصم مسلم ليتقيه بالكفر، بل الإكراه أمر نسبي، يختلف باختلاف المكره عليه، يقول ابن تيمية:"تأملت المذاهب، فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراهًا."

وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها، فلها أن ترجع بناء على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها في الهبة.. ومثل هذا لا يكون إكراهًا على الكفر، فإن الأسير إذا خشي من الكفار أن لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر".285"

قال ابن العربي:"والإكراه المبيح لذلك هو أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمره به، فأبيح له في هذه الحال أن يظهر كلمة الكفر".286

ونقل ابن بطّال الإجماع على جواز التقية من القتل بالكفر، فقال:"أجمعوا على أنّ من أكره على الكفر حتّى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئنّ بالإيمان أنّه لا يحكم عليه بالكفر ولا تبين منه زوجته..".287

ولئن اتفق العلماء على جواز التقية في الأقوال، فإنهم اختلفوا في جوازها في الأفعال، والراجح أن الإكراه يبيح تقية القول والفعل على السواء، إلا في قتل النفس المعصومة، فإنه لا يجوز قتلها تقية بالإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت