وإذا تبين براءة السلف من تكفير المخالفين، فيحسن العلم أن هذا المذهب في تكفير المخالف من أقوال أهل البدع ومنهجهم، وتابعهم فيه من أخطأ من أهل السنة والحق، يقول ابن تيمية:"فمنهم من يكفر أهل البدع مطلقًا، ثم يجعل كل من خرج عما هو عليه من أهل البدع، وهذا بعينه قول الخوارج والمعتزلة الجهمية، وهذا القول أيضًا يوجد في طائفة من أصحاب الأئمة الأربعة، وليس هو قول الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وليس فيهم من كفر كل مبتدع، بل المنقولات الصريحة عنهم تناقض ذلك".265
يقول محمد صديق خان متحسرًا على تكفير بعض الفقهاء للمتأولين:"وأما قول بعض أهل العلم: إن المتأول كالمرتد، فههنا تسكب العبرات، ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر، لا بسنة ولا قرآن، ولا ببيان من الله ولا برهان".266
فالتأويل - كما رأيتَ - عذر ما زال العلماء يلوذون به من رمي مخالفيهم بالكفر والضلال، فلا كفر قبل قيام الحجة وزوال الشبهة، فهذا مذهب أهل السنة والحق في الاعتذار لمخالفيهم، بينما يهدر هذا العذر الأغرار ممن فاتهم لبوس العلم ومعارف العلماء، ومثله حال المبتدعة الذين مازال ديدنهم تكفير مخالفيهم مع غير إعذار ولا روية.
ثالثًا: التأويل الذي لا عذر فيه
وإذا كان التأويل عذرًا يمنع من تكفير المتأول، فإنه لا يصلح جُنة وملاذًا يلوذ به كل متلاعب بالدين يبطن الكفر ويتقي بالتأويل.
وقد بين العلماء نماذج من التأويل الذي لا عذر لمن ادعاه، لأنه لا وجه له ولا احتمال، فتعلق أهل البدع فيه، لكنه في حقيقته تكذيب، إذ ليس مرده شبهة عارضة أو سوء فهم، بل هو من باب المغالطة والجحود.
يقول ابن تيمية:"ولا بد من التنبيه لقاعدة أخرى، وهي أن المخالف قد يخالف نصًا متواترًا ويزعم أنه مؤول، ولكن ذكر تأويله لا انقداح له أصلًا عن اللسان، لا على قرب، ولا على بعد، فذلك كفر، وصاحبه مكذب وإن كان يزعم أنه مؤول."
مثاله ما رأيته في كلام بعض الباطنية، أن الله تعالى واحد، بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يعطي العلم ويخلقه لغيره، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، فأما أن يكون في نفسه واحدًا أو موجودًا وعالمًا بمعنى اتصافه به فلا.
وهذا كفر صراح، لأن حمل الوحدة على إيجاد الوحدة ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغة العرب أصلًا، ولو كان خالق الوحدة يسمى واحدًا لخلقِه الوحدة لسمي ثلاثًا أو أربعًا، لأنه خلق الأعداد أيضًا، فأمثلة هذه المقالات تكذيبات، وإن عبر عنها بالتأويلات".267"
قال ابن الوزير عن متعمدي تكذيب الأنبياء:"لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار".268
ومثله فإن أصول الإسلام التي لا تخفى، والتي يعرفها المسلم بداهة، فإن جحدها كفر، لا يدفعه ادعاء التأول، قال الشافعي رحمه الله:"العلم علمان: علم عامة لا يسع العاجز مغلوب على عقله جهله... مثل أن الصلوات خمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يفعلوه ويعلموه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عنه مما حرم عليهم منه، وهذا الصنف كله من العلم موجود نصًا في كتاب الله عز وجل وموجود عامًا عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله r ولا ينازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم، هذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع".269
ويبين ابن حجر ضابطًا آخر للتأويل غير السائغ، وهو خروجه عن طريقة العرب وأساليبها في الكلام، يقول رحمه الله عن التأويل السائغ:"قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغًا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم".270
ومن التأويل المردود مخالفة قطعي الدلالة الذي لا يختلف المسلمون في تأويله، يقول ابن حزم:"وأما من خالف الإسلام إلى دين آخر، وأقر بنبوة أحد بعد رسول الله، فإن كان بعد رسول الله ممن بلغته النذارة فهو كافر، لا يعذر بتأويل أصلًا، لأن النص ورد بأن من يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، وبأنه لا نبي بعد محمد r".271
قال القرني:"إذا ظهر أن التأويل عذر في المسألة التكفير، فإن هذا لا يعني أن كل من ادعى التأول فهو معذور بإطلاق، بل يشترط في ذلك التأويل أن لا يكون في أصل الدين الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وقبول شريعته، لأن هذا الأصل الشهادتين لا يمكن تحقيقه مع حصول الشبهة فيه، ولهذا أجمع العلماء على كفر الباطنية - مثلًا - وأنهم لا يعذرون بالتأويل، لأن حقيقة مذهبهم الكفر بالله تعالى، وعدم عبادة الله وحده، وإسقاط شرائع الإسلام".272
وهكذا فالتأويل عذر مادام القول فيه منضبطًا بقواعد الشريعة ملازمًا لفهوم العرب في دلالات الألفاظ والتراكيب، وهو بذلك ليس جُنة للمتلاعبين لألفاظ النصوص، المعطلين لها، والجاحدين لما شرعه الله فيها، المستترين من إعمالها والإذعان لها بالتأويل الفاسد، الذي هو في حقيقته الجحود والتعطيل.
العذر بالإكراه
ومن الموانع التي تمنع تكفير المسلم إذا ارتكب مكفرًا الإكراه، إذ قد يكره المسلم على أمر هو من الكفر، لكن لا مخرج منه، فهذا مما يعذر الله به عباده، فإن التكاليف الشرعية منوطة بالاستطاعة، والإكراه أمر خارج عنها، لذا فإن الله لم يكلف به عباده رحمة منه وفضلًا.