فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 738

ويقول:"فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك."

بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول r مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن، وقال: هذا أصل دين الإسلام".208"

ويقول:"وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولًا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر، حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه".209

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في عذر الجاهل الذي يرتكب الكفر:"وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفّر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله".210

قال ابن العربي:"الجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركًا أو كافرًا، فإنّه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبيّن له الحجة التي يكفر تاركها بيانًا واضحًا ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعًا قطعيًّا يعرفه كلّ المسلمين من غير نظرٍ وتأمّلٍ.. ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع".211

يقول ابن تيمية وهو يعدد صورًا من الجهل الذي عذر به السلف:"فإذا رأيت إمامًا قد غلّظ على قائل مقالته أو كفره فيها، فلا يعتبر هذا حكمًا عامًا في كل من قالها، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له، فإن من جحد شيئًا من الشرائع الظاهرة، وكان حديث العهد بالإسلام أو ناشئًا ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية."

وكذلك العكس، إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم، فاغتُفرت لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتُفر للأول، فلهذا يبدّع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم فتدبره، فإنه نافع".212"

ويقول ابن حزم وهو يذكر صورًا أخرى يفترض أنها تقع من جاهل، فيعذر لجهله:"وأما ما لم تقم الحجة على المخالف للحق في أي شيء كان فلا يكون كافرًا إلا أن يأتي نص بتكفيره فيوقف عنده... فإن قال قائل: فما تقولون فيمن قال: أنا أشهد أن محمدًا رسول الله، ولا أدري أهو قرشي أم تميمي أم فارسي، ولا هل كان بالحجاز أو بخراسان، ولا أدري أحي هو أو ميت، ولا أدري لعله هذا الرجل الحاضر أم غيره، قيل له: إن كان جاهلًا لا علم عنده بشيء من الأخبار والسير لم يضره ذلك شيئًا، ووجب تعليمه، فإذا علم وصح عنده الحق، فإن عاند فهو كافر حلال دمه وماله، محكوم عليه بحكم المرتد."

وقد علمنا أن كثيرًا ممن يتعاطى الفتيا في دين الله عز وجل، نعم، وكثيرًا من الصالحين لا يدري كم لموت النبي e، ولا أين كان، ولا في أي بلد كان، ويكفيه من كل ذلك إقراره بقلبه ولسانه أن رجلًا اسمه محمد أرسله الله تعالى إلينا بهذا الدين".213"

ويعذر شيخ الإسلام بالجهل، فلا يوقع حكم الكفر على طوائف من الجهال المقلدين الذين أحسنوا الظن في بعض رؤوس أهل البدع من الباطنية الكفار، وتبعوهم، فيقول:"وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء، ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين الذين يتكلمون بكلام صحيح، لا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء تجد فيهم إسلامًا وإيمانًا ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقرارًا لهؤلاء وإحسانًا للظن بهم وتسليمًا لهم بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال، وهؤلاء من جنس الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته حال في كل مكان، ولكن أهل وحدة الوجود حققوا هذا المذهب أعظم من تحقيق غيرهم من الجهمية".214

وسبب عذر هؤلاء الجهال من المقلدة أن"الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر، ولا يفسق، ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرًا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا".215

وهكذا فإن ثبوت الحجة شرط في استحقاق المعين التكفير، إذ الجهل عذر عند الله، يعذر به العالم الذي جهل مسألة فغمضت عليه، كما يعذر به من باب أولى عوام المسلمين المقلدين له.

وهذه المسألة أصل في الحكم على عوام أهل الفرق المنتسبة للإسلام، والتي في عقائدها ما يكفر به العالم المعاند دون الجاهل المقلد.

العذر بالخطأ مع سلامة القصد

الخطأ هو فعل الخطأ أو اعتقاده مع إرادة الحق والصواب.

قال ابن حجر: المخطئ: من أراد الصواب فصار إلى غيره، ويفرق بينه وبين الخاطئ بأن الخاطئ من تعمد الخطأ، ومنه قوله تعالى: ]إن قتلهم كان خِطئًا كبيرًا[ (الإسراء: 31) .

وأما الخطأ المعفو عنه، فهو مثل قوله تعالى: ] وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به[ (الأحزاب: 5) .216

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت