فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 738

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى تُقْتَلُ إنْ لَمْ تُسْلِمْ , وَهَكَذَا كَانَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله تعالى فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ رَجَعَ أَنَّهُ الْحَسَنُ , عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا تَخْرُجُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ , وَتُعَذَّرُ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ سَوْطًا ثُمَّ تُعَادُ إلَى الْحَبْسِ إلَى أَنْ تَتُوبَ أَوْ تَمُوتَ , وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } , وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } , وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْقَتْلِ تَبْدِيلُ الدِّينِ ; لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي لِسَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِبَيَانِ الْعِلَّةِ , وَقَدْ تَحَقَّقَ تَبْدِيلُ الدِّينِ مِنْهَا , وَفِي الْحَدِيثِ { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ مُرْتَدَّةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَرْوَانَ } , وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَتَلَ مُرْتَدَّةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ فُرْقَةَ , وَلِأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ دِينًا بَاطِلًا بَعْدَ مَا اعْتَرَفَتْ بِبُطْلَانِهِ فَتُقْتَلُ كَالرَّجُلِ , وَهَذَا لِأَنَّ الْقَتْلَ جَزَاءٌ عَلَى الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ مِنْ أَعْظَمِ الْجَرَائِمِ , وَلِهَذَا كَانَ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ مِنْ خَالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى , وَمَا يَكُونُ مِنْ خَالِصِ حَقِّ اللَّهِ فَهُوَ جَزَاءٌ , وَفِي أَجْزِيَةِ الْجَرَائِمِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ سَوَاءٌ كَحَدِّ الزِّنَا , وَالسَّرِقَةِ , وَشُرْبِ الْخَمْرِ , وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ بِالرِّدَّةِ أَغْلَظُ مِنْ الْجِنَايَةِ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ , فَإِنَّ الْإِنْكَارَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَغْلَظُ مِنْ الْإِصْرَارِ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى الْإِنْكَارِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ , وَبِأَنْ كَانَتْ لَا تُقْتَلُ إذَا لَمْ تَتَغَلَّظُ جِنَايَتُهَا فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُقْتَلُ إذَا تَغَلَّظَتْ جِنَايَتُهَا ثُمَّ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ إذَا تَغَلَّظَتْ جِنَايَتُهَا بِأَنْ كَانَتْ مُقَاتِلَةً أَوْ سَاحِرَةً أَوْ مَلِكَةً تُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ تُقْتَلُ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا تُحْبَسُ , وَتُعَزَّرُ , وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ الرِّدَّةِ , وَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ , وَكَذَلِكَ الشُّيُوخُ , وَأَصْحَابُ الصَّوَامِعِ , وَالرُّهْبَانُ يُقْتَلُونَ بَعْدَ الرِّدَّةِ , وَلَا يُقْتَلُونَ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ , وَذَوُو الْأَعْذَارِ كَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ كَذَلِكَ , وَكَذَلِكَ الرِّقُّ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ يَمْنَعُ الْقَتْلَ , وَهُوَ مَا إذَا اُسْتُرِقَّ الْأَسِيرُ , وَفِي الرِّدَّةِ لَا يَمْنَعُ ثُمَّ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ لَا تَسْلَمُ لَهَا نَفْسُهَا حَتَّى تَسْتَرِقَّ لِيَنْتَفِعَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا فَكَذَلِكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ , وَبِالِاتِّفَاقِ لَا تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقُلْنَا أَنَّهَا تُقْتَلُ . ( وَحُجَّتُنَا ) فِي ذَلِكَ { نَهْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ } , وَفِيهِ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مَا رَوَاهُ رَبَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ رضي الله تعالى عنه { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ قَوْمًا مُجْتَمَعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا يَنْظُرُونَ إلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَالَ لِوَاحِدٍ: أَدْرِكْ خَالِدًا وَقُلْ لَهُ: لَا يَقْتُلْنَ عَسِيفًا وَلَا ذُرِّيَّةً } , وَالثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَقَالَ مَنْ قَتَلَ هَذِهِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْدَفْتهَا خَلْفِي فَأَهْوَتْ إلَى سَيْفِي لِتَقْتُلَنِي فَقَتَلْتُهَا , فَقَالَ: مَا شَأْنُ قَتْلِ النِّسَاءِ وَارِهَا وَلَا تَعُدْ } { وَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَقَالَ: هَا مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ } فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَتْلِ بِعِلَّةِ الْقِتَالِ , وَأَنَّ النِّسَاءَ لَا يُقْتَلْنَ ; لِأَنَّهُنَّ لَا يُقَاتِلْنَ , وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ , وَبَيْنَ الْكُفْرِ الطَّارِئِ , وَمَا رُوِيَ مِنْ الْحَدِيثِ غَيْرُ مُجْرَى عَلَى ظَاهِرِهِ , فَالتَّبْدِيلُ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ عَامٌّ لَحِقَهُ خُصُوصٌ فَنَخُصُّهُ وَنَحْمِلُهُ عَلَى الرِّجَالِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا , وَالْمُرْتَدَّةُ الَّتِي قُتِلَتْ كَانَتْ مُقَاتِلَةً , فَإِنَّ أُمَّ مَرْوَانَ كَانَتْ تُقَاتِلُ وَتُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ , وَكَانَتْ مُطَاعَةً فِيهِمْ , وَأُمُّ فُرْقَةَ كَانَ لَهَا ثَلَاثُونَ ابْنًا , وَكَانَتْ تُحَرِّضُهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ , فَفِي قَتْلِهَا كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ , وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه بِطَرِيقِ الْمَصْلَحَةِ وَالسِّيَاسَةِ كَمَا أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ النِّسَاءِ اللَّاتِي ضَرَبْنَ الدُّفَّ لِمَوْتِ رَسُولِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت