ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية . والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله ; ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته . إنما مصدر الحاكمية هو الله . وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة . فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده . والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه , أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية , وما أنزل الله به من سلطان . .
ويوسف - عليه السلام - يعلل القول بأن الحكم لله وحده . فيقول:
أمر ألا تعبدوا إلا إياه .
ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى"العبادة"التي يخص بها الله وحده . .
إن معنى عبد في اللغة:دان , وخضع , وذل . . ولم يكن معناه في الاصطلاح الإسلامي في أول الأمر أداء الشعائر . . إنما كان هو معناه اللغوي نفسه . .
فعندما نزل هذا النص أول مرة لم يكن شيء من الشعائر قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه . إنما كان المقصود هو معناه اللغوي الذي صار هو معناه الاصطلاحي . كان المقصود به هو الدينونة لله وحده , والخضوع له وحده , واتباع أمره وحده . سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية , أو تعلق بتوجيه أخلاقي , أو تعلق بشريعة قانونية . فالدينونة لله وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص الله - سبحانه - بها نفسه ; ولم يجعلها لأحد من خلقه . .
وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو نفهم لماذا جعل يوسف - عليه السلام - اختصاص الله بالعبادة تعليلا لاختصاصه بالحكم . فالعبادة - أي الدينونة - لا تقوم إذا كان الحكم لغيره . .
وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود , وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة . فكله حكم تتحق به الدينونة .
ومرة أخرى نجد أن منازعة الله الحكم تخرج المنازع من دين الله - حكما معلوما من الدين بالضرورة - لأنها تخرجه من عبادة الله وحده . .
وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين الله قطعا . وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه , ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه . .
فكلهم سواء في ميزان الله .
ويقرر يوسف - عليه السلام - أن اختصاص الله - سبحانه - بالحكم - تحقيقا لاختصاصه بالعبادة - هو وحده الدين القيم: (ذلك الدين القيم) . .
وهو تعبير يفيد القصر . فلا دين قيما سوى هذا الدين , الذي يتحقق فيه اختصاص الله بالحكم , تحقيقا لاختصاصه بالعبادة . .
(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) . .
وكونهم (لا يعلمون) لا يجعلهم على دين الله القيم . فالذي لا يعلم شيئا لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه . . فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين , لم يعد من الممكن عقلا وواقعا وصفهم بأنهم على هذا الدين !
ولم يقم جهلهم عذرا لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام . ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء . فاعتقاد شيء فرغ عن العلم به . . وهذا منطق العقل والواقع . . بل منطق البداهة الواضح .
لقد رسم يوسف - عليه السلام - بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين , وكل مقومات هذه العقيدة ; كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزا شديدا . .
إن الطاغوت لا يقوم في الأرض إلا مدعيا أخص خصائص الألوهية , وهو الربوبية . أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه , ودينونتهم لفكره وقانونه . وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه - ولو لم يقله بلسانه - فالعمل دليل أقوى من القول .
وإن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس . فما يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلا أن الحكم لله وحده , لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده . والخضوع للحكم عبادة . بل هي أصلا مدلول العبادة .وإلى هنا يبلغ يوسف أقصى الغاية من الدرس الذي ألقاه , مرتبطا في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبيه في السجن . ومن ثم فهو يؤول لهما الرؤيا في نهاية الدرس , ليزيدهما ثقة في قوله كله وتعلقا به: (1)