فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 522

وقد سلكَ النَّاسُ في الجَمْعِ مَسَالكَ:

أحدها: أنَّ هذه الأمْرَاض لا تُعدي بطبعها, لكن الله تَعَالى جعلَ مُخَالطة المَرِيض بها, للصَّحيح سببًا لإعدائه مرضه, وقد يتخلَّف ذلك عن سببه, كما في غيره من الأسْبَاب, وهذا المَسْلك هو الَّذي سلكهُ ابن الصَّلاح [1] .

الثَّاني: أَنْ يُقالَ: إِنَّ نَفْيَهُ - صلى الله عليه وسلم - للعَْدوى باقٍ على عُمومِهِ ، وقد صحَّ قوله صلَّى اللهُ عليهِ [ وآلهِ ] وسلَّمَ: (( لا يُعْدِى شيءٌ شيئًا ) )، وقولُه صلَّى اللهُ عليهِ [ وآلهِ ] وسلَّمَ لِمَن عارَضَهُ: بأَنَّ البَعيرَ الأجْرَبَ يكونُ في الإِبلِ الصَّحيحةِ ، فيُخالِطُها ، فتَجْرَبُ ، حيثُ ردَّ عليهِ بقولِه: (( فمَنْ أَعْدى الأوَّلَ ؟ ) )؛ يعني: أَنَّ الله [ سبحانَه و ] تعالى ابتَدَأَ ذلك في الثَّاني كما (( في ) )ابْتَدَأَفي الأوَّلِ .

وأَمَّا الأمرُ بالفِرارِ مِن المَجْذومِ فمِن بابِ سدِّ الذَّرائعِ ؛ لئلاَّ يَتَّفِقَ للشَّخْصِ الذي يخُالِطُه شيءٌ مِن ذلك بتقديرِ اللهِ (( سبحانه و ) )تعالى ابتداءً لا بالعَدْوى المَنْفِيَّة ، فيَظُنَّأَنَّ ذلك بسببِ مُخالطتِه فيعتقدَ صِحَّةَ العَدْوى ، فيقعَ في الحَرَجِ ، فأَمَرَ بتجنُّبِه حسْمًا للمادَّةِ ، [ والله أعلم ] ، وهذا المَسْلك هو الَّذي اختارهُ شيخ الإسْلام. [2]

الثَّالثُ: أنَّ إثبات العدوَى في الجُذَام ونحوه مخصوص من عُموم نفي العدوَى, فيَكُون معنى قولهُ: «لا عدوَى» . أي: إلاَّ من الجُذام ونحوه, فكأنَّه قال: لا يعدي شيء شيئا, إلاَّ فيما تقدَّم تبييني له أنَّه يُعدي, قاله القاضي أبو بكر الباقلاني.

الرَّابع: أنَّ الأمر بالفِرَار رعاية لخاطر المجذوم, لأنَّه إذا رأى الصَّحيح تَعْظُم مصيبته, وتزداد حسرتهُ, ويُؤيده حديث: «لا تُديموا النَّظر إلى المَجْذومين» [3]

فإنَّه مَحْمولٌ على هذا المعنى, وفيه مسالك أُخر.

ـــــــــــــــ

(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 63) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 93) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 17) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 471)

(2) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 17)

(3) - هـ ( 3672) وطب 3/143 (2829 ) وش 8/132 و 9/44 (25032 و26935) ومجمع 5/100 و 101 وفتح 10/159 وتخ 1/138 وهق 7/219 (14638 ) وحم 1/276 (591 ) وصحيح الجامع ( 7269 ) وطس (11319 ) صحيح لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت