فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 3472

وهذه النظرة الحقيقية للدنيا، وعدم التعلق بها، وسيلة تربوية حتى يكون المال وغيره في يد المؤمن والعاقل، وليس في قلبه، فلا يستأسره ويسيطر عليه، وإنما يستخدمه لنفع العباد والبلاد، ويسخر ما في يده من خير ليكون أمامه يوم الدين والحساب، وليبقى ذكرا له، وعملا نافعا، وأجرا دائما بعد وفاته، وأن الادخار والبخل، والاكتناز والشح لا يعود عليه بشيء، ولن يخلد في الدنيا، وسوف ينقل إلى القبر، ويدفن تحت التراب، ويبقى المال لغيره، ويكشف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،هذه الحقيقة، مبينا حظ الإنسان من ماله، فيما يرويه مسلم عنْ مطرّفٍ، عنْ أبيه، قال: أتيْت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقْرأ: ألْهاكم التّكاثر، قال:"يقول ابْن آدم: مالي، مالي، قال: وهلْ لك، يا ابْن آدم منْ مالك إلّا ما أكلْت فأفْنيْت، أوْ لبسْت فأبْليْت، أوْ تصدّقْت فأمْضيْت؟" [1]

ولذلك يستعد العاقل للموت،- ويهيئ له الأسباب المحمودة، فإن جاءه الموت كان عل خير حال، دون أن يغفل عن هذه الحقيقة التي تلازم البشرية، وأن الدنيا ليست مقرا ولا مستقرا، ولم يخلد فيها إنسان، والموت حق يقيني، ومهما جمع الإنسان في هذه الحياة، فإن متطلباته منها محدودة، وحصيلته مقررة، وانتفاعه محصور، والزائد عنه سيبقى لغيره من الأحياء، ويروح المرء إلى مصيره المحتوم شاء أم أبى، وإن أنفق ماله في الشر والإيذاء فسوف يحاسب عليه، وإن كان رشيدا أنفقه في الخير، واستعد لما بعد الموت، لما روي عنْ شدّاد بْن أوْسٍ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ،قال: «الكيّس منْ دان نفْسه وعمل لما بعْد الموْت، والعاجز منْ أتْبع نفْسه هواها وتمنّى على اللّه» [2]

وقد خلق الله الحياة ابتلاء للإنسان واختبارا له، ليستعد إلى لقاء ربه، ويغتنم الفرصة في حياته، عنْ عمْرو بْن ميْمونٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يعظه:"اغْتنمْ خمْسًا قبْل"

(1) - صحيح مسلم (4/ 2273) 3 - (2958)

(2) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 638) (2459) وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 268) والمعجم الصغير للطبراني (2/ 107) (863) حسن لغيره

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مَنْ دَانَ نَفْسَهُ يَقُولُ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ القِيَامَةِ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت