فهرس الكتاب

الصفحة 684 من 2003

لا يكون بالتجاوز عن الأشراف حال جرمهم فقط؛ بل هناك صفات أخرى تتعاضد فيما بينها فتُودي بالأمم، ولكن أُنزِلت كل هذه الصفات والعوامل منزلة المعدوم، وأُبرزت هذه وخُصَّت دون سواها لخطورتها ولاهتمام المتكلم صلى عليه وسلم بها؛ حيث إنها مناط الحديث؛ ذلك لأنها آفة يُخشى على المجتمع الوليد أن تستشري فيه فتهلكه.

التحذير من مَهلكة وسوء مصير

والإخبار يطوي التعريض إلى سوء المصير، ويحوي جملًا ذات ديناميكية خاصة"القصر"؛ إنما.. التعبير بالماضي في (أهلك) ، والظرفية الزمانية ذات الامتداد التواصلي (قبل) ، والإضافة التي تُوحي بإلحاق العقاب بهم كما لحق بمن قبلهم، (وإنما) أفادت التعريض؛ أي إذا فعلتم ما فعله من قبلكم فستؤول عاقبتكم إلى مثل ما آلت إليه عاقبتهم فاحذروا وارتدعوا، تقديم نتيجة الظلم والتفرقة الطبقية على سببها.."أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه".

ويمكن التعبير أن يكون"هلاك الذين قبلكم لكونهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه"، ولكن جوامع الكلم من أفصح البشر - صلى الله عليه وسلم - تسوق الجمل والألفاظ في أبلغ صورها، وجملة"لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف"تعليلية تفسيرية، تبيِّن سبب هلاكهم، وحوى خبر المبتدأ الشرط"إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".

فهاتان الجملتان الشرطيتان بينهما مقابلة؛ تبيِّن شناعة ما عليه القوم من جور وعسف، وبين الشريف والضعيف طباق يوحي بطبقية يأباها الإسلام؛ لأنها تمثل خنوعًا وقبولًا بالاستبداد ورضا بالقهر، فلولا وجود الضعفاء المستبَدّ بهم ما كان السادة المستبدون، وهذا يُضاد مقتضيات كلمة التوحيد"لا إله إلا الله"، ودلالة التوحيد طرح كل ألوهية، وإعلان العبودية لله وحده؛ لذلك كانت المساواة أساس المجتمع الإسلامي؛ لأن الكل أمام الله عبيد.

تقسيم طبقي مُهلك

وبين"تركوه"و"أقاموا عليه الحد"مقابلة تثير السخط والغضب؛ فحينما يسرق السادة يُعفَى عنهم.. {واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ} (يوسف: من الآية 29) ، أما الضعفاء فترى الحركة الملتفة حولهم، وجملة"أقاموا عليه الحد"جملة مصورة؛ تشخِّص الموقف حالَ إقامة الحد، والفعل (أقاموا) له دلالة الهِمَّة والجِدية والعزم، والجملة توحي بإحكام القبضة على الضعيف وعدم إفلاته، أما الشريف فالفعل (تركوه) أوحى بعدم التعرض له وعدم المساس به، فيمضي في حياته كيفما شاء، وهذا منتهى الكبر والتألُّه من دون الله، فتنشأ طبقة الطغاة كالتي في زماننا هذا؛ حيث السلب والنهب، ولا أحد يواجههم بما اقترفت أيديهم، بل يتقلبون في البلاد طغاةً باطشين بالأحرار.

واللافت أن مرجع الضمير في الفعلين واحد (تركوه- أقاموا) الذين قبلكم، وهو ضمير ذو امتداد مع كل من يتصف بنفس صفاتهم، مما يبين أنهم مناط الإفساد أو الإصلاح، مما يعظم التبعة والمسئولية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت