فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 2003

ويُفهم من فحوى الخطاب"من يكلم فيها رسول الله؟!"بعد"أن قريشًا أهمَّتهم المرأة المخزومية"أن تحرُّكًا ذا طابع قبلي كان يتململ خوفَ إقامة الحد عليها، وإذًا.. كان رفض الشفاعة من أسامة وَأْدًا لأية قيمة جاهلية تطلُّ برأسها في ظل مجتمع إسلامي تسوده شريعة الله وسنه نبيه صلى الله عليه وسلم، وكان رفض الشفاعة بالدرجة الأولى إعلانًا لسيادة حكم الله {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} (المائدة: من الآية 50) ، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب: من الآية 36) ، {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } (النساء) .

والحدود: جزءٌ من قانون جنائي؛ تحمي المجتمع كله؛ ماله وعِرضه ودمه وعقله، وقبل كل هذا دينه.

استشفاعٌ يأباه رسول الله

لذلك استنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شفاعة أسامة؛ فالاستفهام فحواه: لا ينبغي أن يكون ذلك منك، ولا ينبغي لك لأنه أمر جَلِيٌّ فيه حكم الله؛ فالمرأة ثبت عليها ما يستوجب الحد، فأنَّى لك يا أسامة أن تفكِّر في الشفاعة لمن انتهكت حدًّا من حدود الله تعالى، وأنت لك من الفهم والوقوف على حدود الله ما يمنعك من ذلك؟! وإذا كان هذا ما قوبل به أسامة الذي رشَّحه الناس"حِبّ رسول الله"للشفاعة؛ فالخطاب عام، فلا أنت يا أسامة ولا غيرك ينبغي له أن يشفع في حدٍّ من حدود الله.

أسامة يلوذ بالاستغفار

فاستشعر أسامة الذنب فقال: استغفر الله لي يا رسول الله؛ فالشفاعة مردودة مرفوضة لأنها مصحوبة بدليل رفضها، وهو أنها في"حدٍّ من حدود الله"، وكلمة حدود الله في القرآن الكريم دائمًا تَعقُب قضايا تمسّ أمن الفرد والمجتمع والأمة.

ولما استعظم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أقدم عليه أسامة، وما كان إقبال أسامة شافعًا للمرأة إلا اختزالًا لما عليه كثيرٌ من الناس تجاهها؛ فالأمر يتجاوز الفردية؛ لذلك صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر واختطب الناس.

الرسول يُوَجِّه الأمة

"ثم قام فاختطب ثم قال:"إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه".. اختطب: تهيَّأ للخطبة وهيَّأ الناس، فكان التفاعل في ذروته، ثم بدأ الخطبة بما عُهِدَ افتتاحًا وثناءً على الله تعالى، واختطب: افتعل.. الصيغة هذه تدل على تجمُّع الناس وأنهم كانوا يتوافدون سِراعًا؛ لسماع ما يرسيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبناء الأمة الوليدة وما يلقيه من أحكام يسعدون بها دنيا وآخرة."

وبيْن"ثم قام فاختطب"و"ثم قال إنما أهلك الذين قبلكم"المسافة الزمانية بين (ثم) الأولى، والثانية توحي بأنه - صلى الله عليه وسلم - ربما شرع في بيان بعض الأمور يمهِّد بها للقضية (الشفاعة في حد السرقة) ؛ فإذا ما اجتمع الناس وتهيؤا قال:"إنما أهلك الذين قبلكم"وهنا قصر مجازيٌّ؛ حيث حصر الموصوف (هلاك الذين قبلكم) على الصفة"التجاوز عن السارق إذا كان شريفًا"، والمجاز تنزيلي؛ حيث إن هلاك الأمم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت