الصفحة 33 من 138

اتفق الأئمة على أن ثمة أحكامًا لا يمكن للعقل أن يتبين مقاصدها بدون إخبار الله عنها، وهي أحكام العبادات، وكل حكم لم يخبر الشارع عن مقصده منه يكون مثلها. ولا يقال إن هذا خاص بالعبادات؛ لأن العبادات جزء من الشريعة وهي أوامر ونواهٍ مثل بقية الأحكام. وتصنيف أحكام الشريعة إلى عبادات ومعاملات وغير ذلك، لا يجعل لأحكام العبادات خصوصية ليست لأحكام المعاملات أو الأخلاق أو غيرها، لأن هذا التصنيف من الإنسان وليس بدليل من الشريعة نفسها. وهو تصنيف صحيح من حيث واقع هذه الأحكام. فالعبادات هي جملة الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان مع خالقه، وأحكام المعاملات هي جملة الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان مع غيره من البشر. والأخلاق هي الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان بنفسه إن صح التعبير، أو قُلْ: تنظم سلوك الإنسان الخاص به، كأكله ولبسه وتهذيب ميوله وطبعه ومزاجه. ومثله التقسيم الذي يصنف بعض الأشياء: مأكولات، ومشروبات، وملبوسات، أو: مكيلات ومعدودات وموزونات، فهذا تقسيم للأشياء من حيث واقعها، ولا يكون لأي صنف مزية أو خصوصية على غيره إلا بدليل من الشرع. ومثل هذا التصنيف تقنينُ أحكام الشريعة وجعلها أنظمة، كنظام اقتصادي، ونظام اجتماعي، ونظام حكم، ونظام عقوبات، ونظام أو أحكام بينات، فهذه أنظمة مختلفة من حيث واقعها أو من حيث طبيعة ما تعالجه. ولكنها أيضًا هي نظام واحد هو نظام الإسلام، ولذلك فلا يمكن أن تُعطَى أحكام النظام الاقتصادي مثلًا وصفًا معينًا ليس لغيره من الأنظمة إلا إذا دلت النصوص. وكذلك بالنسبة لأحكام العبادات. فعدم طلب مقاصد لها يجب أن يسري على كل الأحكام. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن كل أحكام الشريعة عبادة والإنسان يجب أن يعبد الله في كل أعماله، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (1) . فكما أن الصلاة عبادة، فالصدق عبادة، وطاعة الأمير عبادة، والجهاد عبادة، وتجنب الخمر عبادة

(1) الذاريات/56

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت