الصفحة 31 من 138

... فهذه الغايات أو المقاصد مقصودة من الحكم المعين أو من الفعل المعين، ولا علاقة لها بمقاصد الشريعة ككل، ولذلك ليس هي مقاصد لأحكام أخرى غير هذه الأحكام التي وردت فيها.

... وما أطلق عليه المقاصد الضرورية هو مقاصد لأحكام بعينها، كل واحد مقصد لحكم، وليس كل واحد منها مقصدًا لكل الأحكام، ولا لكل الشريعة، إذ لا دلالة على ذلك.

... وهذه المقاصد دلت عليها النصوص، فحفظ الدين مقصد لتحريم الارتداد، وقد حدّ له الشارع عقوبة القتل (1) . وحفظ العقل مقصد لتحريم الخمر وما شاكله، وقد حدّ عليه الشارع عقوبة الجلد (2) . وحفظ النسل مقصد لتحريم الزنا، وقد حدّ عليه الشارع عقوبة الرجم أو الجلد (3) ، وحفظ المال مقصد لتحريم السرقة، وقد حدّ عليه الشارع عقوبة القطع (4) . وكذلك نجد حفظ الكرامة الإنسانية مقصدًا لتحريم القذف بغير بينة، وقد حدّ عليه الشارع الجلد ثمانين. وحفظ الأمن مقصد لتحريم الإفساد في الأرض، وقد حدّ عليه الشارع عقوبة القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض. وحفظ الدولة أي وحدة الأمة الإسلامية وحفظ كيانها مقصد لتحريم شقّ عصا المسلمين وتجزئتهم كجماعة وكيان أو دولة، وقد شُرِعتْ لذلك أحكام قتال البغاة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشقّ عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" (5) . وقال:"إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (6) .

... فهذه مقاصد لأحكام، وليست هي مقاصد للشريعة، إذ لم تدل النصوص على ذلك فحفظ المال ليس مقصد الشريعة ككل، وإنما مقصد حكم من أحكامها، وحفظ النسل كذلك. وكذلك المقصد من حكم ليس مقصدًا لحكم آخر، فحفظ النسل ليس مقصدًا لتحريم السرقة ولا العكس.

(1) انظر: الإحكام للآمدي، ج3، ص274.

(2) المصدر نفسه.

(3) المصدر نفسه.

(4) المصدر نفسه.

(5) رواه مسلم في كتاب الإمارة.

(6) رواه مسلم في كتاب الإمارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت