... ثم إن هذه المقاصد للشريعة، أي رحمة العالمين وشفاء الناس، إنما هي مقاصد للشريعة ككل، وليس لأحكام معينة أي هي ليست مقاصد لكل جزئية من جزئيات الشريعة. فالنص يقول: (وما أرسلناك.. ) (1) الآية، والرسول صلى الله عليه وسلم أرسل بالرسالة، فيكون النص أن الرسالة -كل الرسالة- هي الرحمة. وقوله تعالى: (وننزل من القرآن ..) (2) الآية، نَصَّ أن القرآن هو الشفاء والرحمة، فتكون النصوص أن الرسالة كرسالة هي الرحمة، وأن القرآن وما يدل عليه من سنة وإجماع صحابة وقياس، أي الشريعة، هي الشفاء والرحمة. فيكون النصان دالين على أن الشريعة ككل رحمة وشفاء، وليس فيهما دلالة على مقاصد الأحكام التفصيلية، أو مقاصد بعض الأحكام.
... وقد جاءت نصوص ودلّ كل واحد منها على مقصد معين، فيكون هذا المقصد مقصدًا لهذا الحكم، أو لهذا الفعل فقط وليس للشريعة، ولا لغيره من الأحكام.
مقاصد الأحكام
... قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (3) ، فعبادة الخالق هي المقصد من الخلق، وهذا المقصد قد يتخلف كما نرى في من لا يعبد الله، والنصوص نفسها تدل على أن من الجن والإنس من لا يُطيع. وقال تعالى: (كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (4) . وقال: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) (5) فالتقوى والنهي نتيجة قد تحصل وقد لا تحصل، فالأمر بالصيام والأمر بالتقوى والأمر بالصلاة والنهي عن الفحشاء والمنكر كل ذلك خطاب تكليف من الشارع، بخلاف قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا) (6) ، فكونه عدوًا وحزنًا هو المقصد من جعل آل فرعون يلتقطونه، وهذه نتيجة أو غاية لجعلهم يلتقطونه. وهي هنا ليس من قبيل ما يتخلّف، لأنها إخبار من الله بما يريده وبما سيكون. فهي أمر أراده الله سبحانه أن يكون وليس تكليفًا.
(1) الأنبياء/ 107.
(2) الإسراء/ 82.
(3) الذاريات / 56.
(4) البقرة / 183.
(5) العنكبوت / 45.
(6) القصص / 8.