ويجب ملاحظة أن المقاصد التي يحددها الإنسان بعقله عندما يشرع لنفسه لا دليل يوجب أن تكون هي المقاصد التي يريدها الخالق من تشريعه للرسالة. وإضافة إلى ذلك، فإن الإنسان قد يضع الأنظمة والقوانين، أو حتى خطة معينة، لتجلب له مصالح معينة أو ليصل إلى غايات معينة، ولكنه لكون مقدار ما يجهله أكبر مما يعلمه، (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا) (1) ، ولأنه لا يحيط بالإنسان إحاطة تامة من حيث معرفته بغرائزه وميوله ودوافعه، ولأنه لا يحيط بالمجتمعات من حيث العلم بطبيعة وقوانين حركتها هبوطًا وارتفاعًا، لأجل ذلك، فقد يقصد إلى غاية معينة، ويشرع ما يراه لازمًا لتحصيلها، أو يضع الخطة التي يراها الأسلم والأضبط للوصول إليها، ولكنه يفشل وتكون النتيجة عكسية.
بينما الخالق عنده علم كل شيء، فيعلم ما يُصْلِحُ الإنسان وما يفسده، ويحيط بالإنسان إحاطة لا يلحقها نقص (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (2) ويعلم الغيب، وحركة المجتمعات، وسنن الطبيعة، ولذلك فإنه إذا جعل للتشريع غاية، فإن التشريع يكون لا بد موصلًا إلى تلك الغاية إذا التُزِم. قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (3) .
مقاصد الشريعة ليست مقاصد للأحكام
(1) الإسراء /85
(2) الملك /14.
(3) الإسراء/ 9.