ولهم أسوة بنبيهم - صلى الله عليه وسلم - الذي كان لا يدع قضية من القضايا وبابًا من الأبواب وميدانًا من الميادين إلا ونشر فيه علمًا، ودعا فيه إلى الله تبارك وتعالى، أليس - صلى الله عليه وسلم - يأتي في موقف ربما لا يزيد أثره في الناس أن يستثير بعض عواطف الأمومة والأبوة نحوهم فيرى - صلى الله عليه وسلم - امرأة تأخذ طفلًا من السبي فتضمه إلى صدرها فيستوقف أصحابه - صلى الله عليه وسلم - ويقول:"أترون هذه طارحة ولدها في النار ؟"فيقولون: لا، فيقول:"لله أرحم بهذه من ولدها"أو يقول:"والله لا يلقي حبيبه في النار".
لقد كانت قضية الدعوة وقضية التعليم قضية تشغل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان يستثمر كل هذه الفرص، ولهذا أخذ هذا النشء وهذا الجيل المبارك هذا الهدي المبارك منه - صلى الله عليه وسلم - فصار سؤاله في كل وقت: كيف يستثمر هذا الوقت في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى؟
الحادي عشر: أنه أحيا سنة الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى:
إن تجربة الجهد الأفغاني تجربة قريبة وتجربة لم ولن تنساها الأمة، في وقت كادت الأمة أن تنسى الجهاد وتنسى هذه الفريضة، بل للأسف كان بعض من يتصدر للتعليم وتدريس الناس الفقه يقفز باب الجهاد حين يصل إليه لأن الأمة قد نسيته ، وحين قام هذا الجهاد في تلك البلاد وفتح الميدان رأينا الشباب ممن لم يتجاوزوا العشرين أو تجاوزها بقليل، رأيناه يترك الدنيا ويترك الدينار والدرهم، ويترك كل ما يسير إليه الناس من متعهم، ويرحل إلى هناك إلى بلاد لا يعرف لغتهم، إلى بلاد لا يعرف طريقتهم، ولا يعرف حياتهم، ولسان حاله يقول وقد قال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - حين ودع أصحابه وقالوا له حفظكم وردكم إلينا، قال: لا ردنا الله إليكم ، وقال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة
أو طَعنةٍ بِيَدَي حرّانَ مُجْهزةٍ
حتى يقال إذا مروا علىجدثي ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
تغوص من الأحشاء تقذف الكبدَا