تكون حين ينقضي الأجل مجهول لأن امتداده الزمني في علم الله وحده، ثم جاء الوصف الداحض لحجة الكافرين في إنكارهم الإعادة (وهو أهون عليه) فـ (( خاطب العباد بما يعقلون فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل وأهون من الابتداء والإنشاء ) ) [1] وهذه حجة عقلية ينبغي أن يلتفتوا إليها ليرعووا عن ضلالتهم، وأردف بقوله (له المثل الأعلى في السّماوات والأرض) مقدمًا فيه الخبر على المبتدأ ليشير إلى اختصاصه تعالى بالوصف الأرفع الأعلى وهذا الاختصاص يجعله قادرًا لا يعجزه شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما، وختم التركيب بقوله (هو العزيز الحكيم) ذاكرًا صفة العزة الدالة على الغلبة والقهر والحكمة التي تقتضي أن تكون أفعاله كلها على مقتضى الحكمة [2] مشيرًا بذلك إلى أن من هذه صفاته هو المستحق للعبادة لا غيره.
ومثله في ذكر صفتي (العزيز الحكيم) قوله تعالى:
(( قل أروني الّذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم ) ) [سبأ/ 27] .
غير أن هذا التركيب تميز بذكر لفظ الجلالة (الله) والسبب في ذلك يرجع إلى أن المقام مقام ردع أي ارتدعوا عن هذا القول وتنبهوا عن ضلالتكم [3] بل (هو الله العزيز الحكيم) فذكر لفظ الجلالة قاصرًا العزة والحكم عليه تعالى كناية عن قصر الإلهية عليه تعالى قصر إفراد [4] توكيدًا لإثبات الألوهية، في حين لم يرد في الآية السابقة ذكر للشركاء لذا لم يذكر لفظ الجلالة فيها. ومن ذلك قوله تعالى:
(( لو أراد الله أن يتّخذ ولدًا لاصطفى ممّا يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهّار ) ) [الزمر/ 4] وقوله: (( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كلَّ شيء وهو الواحد القهّار ) ) [الرعد/16] . ابتدأ الخلق الخطاب في الآية الأولى بالجملة المتضمنة معنى الشرط التي دلت على نفي اتخاذ الولد، وفي
(1) معاني القرآن وإعرابه 4/ 183.
(2) ينظر البحر المحيط 7/ 170، وصفوة التفاسير 12/ 12.
(3) ينظر معاني القرآن وإعرابه 4/ 254.
(4) ينظر التحرير والتنوير 22/ 197.