الصفحة 33 من 233

ويبدو لي أنَّ ذلك يعود إلى احتقار المخاطبين لعدم عودة الضمير إلى اسم ظاهر، وذلك لأنّ رؤية الليل والنهار تكفي للاستدلال بها على وحدانية الله، فهذه الآية من (( أظهر الآيات وأكثرها تكرارًا على حواسهم وأجدرها بأن تكون مقنعة في ارعوائهم عن شركهم ) ) [1] إنّ فعل الرؤية في كل ما تقدم يدلّ على العلم والتفكر والاعتبار غير أنّه لم يفقد دلالته على الرؤية البصرية على نحو مطلق، لأنّ التّراكيب فيها دعوة إلى النظر، والنظر وإن كان المقصود به نظر العقل والقلب مع هذا لا يمنع أن تكون العين وسيلة مفضية إلى الرّؤية القلبية فتكون الحجة بذلك أقوى وأبلغ ولاسيما في التراكيب التي تكون فيها المشاهدة للمحسوسات، أمّا الرّؤية التي تكون للغيبيات (( فالإزاحة اللغوية من الرؤية البصرية إلى معنى العلم أو الإخبار اكتسبت حيوية عالية لأنّها مؤطرة بما يتيحه فعل الرؤية من تجسيد لغير المرئي وإظهاره بمظهر العياني والمحسوس مبالغة في أهمية الحدث وغرابته ) ) [2] . وقد جاء فعل الرؤية دالًا على الرؤية البصريّة في محاجّة إبراهيم (عليه السلام) لقومه في آيات الأنعام:

(( فلمّا جنَّ عليه الّيلُ رءا كوكبًا قال هذا ربّي فلمّا أفلَ قال لا أحبُّ الآفلين فلمّا رءا القمر بازغًا قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لئن لم يهدني ربّي لأكوننَّ من القوم الضّالين فلمّا رءا الشّمسَ بازغةً قال هذا ربّي هذا أكبر فلمّا أفلت قال يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون ) ) [الأنعام/ 76_78] .

فرؤيته (عليه السلام) للكواكب رؤية بصرية أراد بها محاجّة قومه في أمر التوحيد فقد (( كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب ) ) [3] . وقوله في كل مرّة (هذا ربّي) لم يكن على (( وجه الشك ولا في زمان مهلة النظر بل كان في تلك الحال عالمًا بالله وبما يجوز عليه، فإنّه لا يجوز أن يكون بصفة الكواكب، وإنّما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه والتنبيه لهم

(1) التحرير والتنوير 20/ 43.

(2) أساليب التعجب في القرآن 43.

(3) معاني القرآن وإعرابه 2/ 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت