الواضحة المسلمة لإثبات النتيجة المطلوبة، ولكنه ـ مع ذلك كله ـ لم يهمل العقل والفكر، بل جعلهما هدف الدليل ومقصد البرهان )) [1] .
فإذا تأملنا أداة المحاجة ودليلها وجدنا أنّ أغلب الآيات استدلت على وحدانية الله تعالى بما هو موجود في الطبيعة من مخلوقات وذلك لمشاهدتها عيانًا فما عليهم إلا أن ينعموا النظر في هذا الخلق العجيب فيستدلوا على وجود خالق عالم مدبر، وأعظم المخلوقات التي يمكن الاستدلال بها هي السماوات والأرض (( وإنّما خصّ السماوات والأرض لما فيهما من باهر القدرة وعظيم الملكوت، ولهذا قال تعالى (( لخلق السّموات والأرض أكبر من خلق النّاس ) )وقدم السماوات لأنّها من أعظم المخلوقات )) [2] .
ولذا قال بعض الخطباء (( أشهد أن السماوات والأرض آيات دالات، وشواهد قائمات، كلٌ يؤدي عنك الحجة ويشهد لك بالربوبية، موسومة بآثار قدرتك ومعالم تدبيرك، التي تجليت بها لخلقك، فأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما آنسها من وحشة الفكر، ورجم الظنون، فهي على اعترافها لك وافتقارها إليك شاهدة بأنك لا تحيط بك الصفات ) ) [3] .
فقد كان الاستدلال بخلق السماوات والأرض (( ديدن الرسل(عليهم السلام) إذ يحاجون أقوامهم، فهم يلجأون إلى الاستدلال بأضخم ظواهر الطبيعة في الحسن ليهوهم إلى الحق، وليثبتوا إلى أنّ وراءها خالقًا قادرًا، وربًّا حكيمًا يتجلى ذلك [4] في قوله تعالى: (( قالت رسلُهم أفي الله شكّ فاطر السّموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخّركم إلى أجلٍ مسمّىً ) ) [إبراهيم/ 10] .
ومن ذلك استدلال موسى (عليه السلام) أمام فرعون إذ (( نقل لنا القرآن محاجة موسى(عليه السلام) لفرعون إذ أنكر فرعون أن يكون في العالم إله غيره
(1) في رحاب القرآن 61.
(2) الطراز 1/ 141.
(3) البيان والتبيين 1/ 81.
(4) الطبيعة في القرآن 247_ 248.