أمر خلقه عند من ادعى ذلك، فلهذا كان الإتيان بلفظة التراب أمتن بالمعنى المقصود )) [1] . فلفظ (التراب) (( ذو طبيعة إيحائية تضفي على اللفظ أكثر من المعنى الظاهر الذي يتبادر له الذهن. فقد أريد بها هنا أن هذا الإنسان خلق من أدنى القسيمين ) ) [2] . ويبدو لي أن المراد أبعد من ذلك وهو ذكر العنصر الرئيس الذي خلق منه آدم مؤكدًا بذلك التسوية في مسألة الخلق كما يشير إلى ذلك السياق، فضلًا عن ذلك أنّ الطّين يتكون من عنصرين (ماء وتراب) ، وعيسى (عليه السلام) خلق من أم فقط أي من عنصر واحد، وكأنّ التركيب أراد أن يشير إلى التركيز على عنصر واحد هو التراب كما أنّ عيسى خلق من (أمّ) أي من عنصر واحد أيضًا.
3.خزنة:
جاءت هذه اللفظة في قوله تعالى:
(( وقال الّذين في النّار لخزنة جهنّم ادعوا ربّكم يخفّف عنّا يومًا من العذاب ) ) [المؤمن/ 49] .
فالمراد من الخزنة في الآية هم (الملائكة) ، ولكن التعبير القرآني اختار لفظة (خزنة) دون (ملائكة) ، لما توحي به هذه اللفظة [3] من (( صورة حراس يقومون على حراسة جهنم وحفظها وأداء ما يقوم به الحراس من عمل، وهذا التصوير يحمل سخرية شديدة بالذين صبّ عليهم الوعيد بجهنم، والجاحظ بذكائه اللامع، وروحه المعروفة بالفكاهة ودقة الحس، يدرك ما يحمله هذا اللفظ من سخرية فيقول:
(1) تحرير التحبير 194.
(2) الصورة الفنية في المثل القرآني 252.
(3) ينظر صفاء الكلمة 109.