قال تعالى: (( فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنتَ الله على الكاذبين ) ) [آل عمران/ 61] .
فالمحاجّة ـ هنا ـ بين وفد نجران والرسول (صلّى الله عليه وآله) في عيسى [1] (عليه السلام) . أمّا الحجاج الأخروي فقد جاء في قوله تعالى: (( وإذ يتحاجّون في النّار فيقول الضّعفؤ للذين استكبروا إنّا كنّا لكم تبعًا فهل أنتم مغنونَ عنّا نصيبًا من النّار ) ) [المؤمن/ 47] .
فالحجاج أخروي بين المستكبرين والمستضعفين، إذ سيتبرأ كل واحد منهم من الآخر بدليل قول الضعفاء (فهل أنتم مغنون عنا نصيبًا من النّار) فهو استفهام (( مستعمل في الحث واللوم على خذلانهم وترك الاهتمام بما هم فيه من العذاب ) ) [2] .
بناءً على ما تقدم يتضح أنّ المحاجّة لا تكون إلا بين اثنين مختلفين في الدعوى (( يدلي كلّ منهما بحجته على صحة دعواه ) ) [3] . ويشير الاستعمال القرآني إلى الفعل (حاجّ) على أنّه يأتي للدلالة على المخاصمة، وتلك المخاصمة قد بدأها الكفار في أمر دين الله وأنبيائه، وهي محاجة باطلة. جاء في التحرير والتنوير: (( ومعنى المحاجّة المخاصمة، وأكثر استعمال فعل حاجّ في معنى المخاصمة بالباطل ) ) [4] .
وكل ما يتعلق بما بدأ به الكفار من حجاج يندرج تحت الحجاج الباطل سواء أكان الفعل (حاجّ) واردًا في الآية الكريمة أم غير وارد، فالمحاجّة القرآنية لا تقتصر على الآيات التي ورد فيها الفعل (حاجّ) بل ضم القرآن حشدًا من الآيات الكريمة منها ما حاجج فيها الكفار أهل الحق والإيمان، ومنها ما حاجج فيها الله سبحانه أو أنبياؤه الكفار والمشركين وذلك ليقرر لهم الدين الحق على وفق أسس متينة وحجج قويمة، وتلك محاجة محمودة لما فيها من حث على توحيد الله ونبذ الشركاء، وعلى هذا يمكن القول: إنّ المحاجّة القرآنية
(1) ينظر البحر المحيط 2/ 479.
(2) التحرير والتنوير 24/ 161.
(3) البحر المحيط 4/ 169.
(4) التحرير والتنوير 3/ 200.