بذلك؛ لأنهم يترافقون في البر ويرتفق بعضهم ببعض، وعند القيام من النوم، وعند سماع تلبية الغير، وحكم كل ذلك الندب، وقيل السنية، ويفهم من كلام المصنف كغيره أن طلب تجديد التلبية إنما هو في حق الذاهب محرما، وأما لو نسي حاجة ورجع إليها فقال مالك رضي الله عنه: لا يلبي؛ لأن هذا السعي ليس من سعي الإحرام، وقال مالك رضي الله عنه: ولا يرد الملبي سلاما حتى يفرغ، خلافا للشافعي ونظيره عندنا المؤذن، وليس في التلبية: دعاء ولا صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يفعل عليه الصلاة والسلام في تلبيته شيئا من ذلك، وأمر المناسك اتباع، وهذا لا ينافي ما ورد:"أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله الرضوان والجنة"؛ لأن هذا بعد قطع التلبية، ولما كان يتوهم من طلب التلبية على الوجه السابق ملازمتها قال:"وليس عليه": أي المحرم لا وجوبا ولا ندبا.
"كثرة الإلحاح"أي الملازمة"بذلك": أي بالتلبية بل يكره ذلك لما يلزم على ملازمتها من الملالة، بل المستحب التوسط في التلبية بحيث لا يكثر حتى يلحقه الضجر، ولا يترك زمنا طويلا حتى تفوته الشعيرة، كما يندب له التوسط في تصويته بها، فلا يبالغ في رفعه ولا في خفضه، وهذا في حق الرجل في غير المسجد؛ لأنه لا يجوز رفع الصوت فيه إلا المسجد الحرام ومسجد منى؛ لأنهما بنيا للحج، وقيل للأمن فيهما من الرياء، وأما المرأة فتسمع نفسها بالتلبية؛ لأن صوتها عورة، وتطلب التلبية حتى من الجنب والحائض؛ لأنه. عليه الصلاة والسلام قال لعائشة رضي الله عنها حين حاضت:"افعلي ما يفعله الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت"1.
ثم شرع بيان أماكن تترك فيها التلبية بقوله:"فإذا دخل": المحرم بحج مفردا أو قارنا"مكة أمسك": أي كف ندبا"عن التلبية حتى يطوف ويسعى": وظاهر كلام المصنف أنه يقطع التلبية بمجرد دخول مكة وهو ما شهره ابن بشير، ومقابله لا يقطعها حتى يبتدئ الطواف وهو مذهب المدونة، وإلى هذين الإشارة بقول خليل: وهل لمكة أو للطواف خلاف؟ وأنما ندب قطع التلبية للطواف والسعي لطلب الدعاء والابتهال والتضرع في حال فعلهما، فيكره الاشتغال في فعلهما بغير ذلك، على أن الطواف كالصلاة كما في الحديث2:"والصلاة لا تلبية فيها"وقيدنا المحرم بالحج للاحتراز عن المحرم بالعمرة فقط، سواء أحرم بها مع التمكن من الحج
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب كيف كان بدء الحيض، حديث"294"ومسلم، كتاب الحج، بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج، حديث"1211"وأبو داود، حديث"1782"، والنسائي، حديث"290"، وابن ماجه حديث"2963"، وأحمد"6/39"حديث"24155".
2 صحيح: أخرجه أحمد"3/414"حديث"15461"وانظر:"الإرواء 1/154".