"تنبيهات"الأول: المتبادر من قول المصنف والحديث توضأ عليه الصلاة والسلام بمد، أن المراد توضأ من وزن مد وليس كذلك بل المراد كما قال ابن العربي أنه توضأ من كيل مد لا بوزن مد.
قال الشيخ زروق: بمقدار ما يبلغه وزن مد من الطعام لا بمقدار وزن مد من الماء، إذ ما يبلغه وزن مد من الطعام، فإذا وزن مد من الطعام ووضع في آنيةٍ فإنه يشغل منها أكثر ما يشغله وزن المد من الماء إذا وضع في الآنية المذكورة، والحاصل أن المراد القدر من الماء الذي يبلغ من الآنية مبلغ المد من الطعام، ويقال مثله في الصاع.
الثاني: وقع التردد في بعض الشيوخ في صورة وضوئه صلى الله عليه وسلم بالمد هل هو الوضوء الذي اقتصر فيه على مرةٍ أو اثنين أو ثلاثٍ؟ قال الجزولي: لم أر في ذلك نصا، وهذا لا ينافي طلب الاقتصار في الماء سواء أراد أن يتوضأ على وجه الكمال من شفع غسله وتثليثه أو أراد الاقتصار على مرةٍ.
ولما فرغ من الكلام على ما يحصل به التطهير ومن أنواع المياه، وما لا يصح به وهو المتغير بالمفارق غالبًا، ومن بيان القدر المستحب منه، شرع في الكلام على حكم إزالة النجاسة المضادة للطهارة وهي النجاسة المصطلح عليها وهي صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة به أو فيه بقوله:"وطهارة البقعة"وهي مكان المصلي"للصلاة"ولو نافلةً"واجبة"وفسرنا البقعة بمكان المصلي الذي تمسه أعضاؤه لأن المومئ إنما يلزمه طهارة موضع قدميه لا طهارة ما يومئ إليه وإن أوجبنا عليه حسر عمامته حال الإيماء، لأن الحائل مانع من فرضٍ مجمعٍ على فرضيته، بخلاف الطهارة فإن أمرها خفيف، وأيضًا أسقطوا عن المومئ الركوع والسجود فكيف يشترطون عليه طهارةً أزيد من محل قدميه؟"وكذلك طهارة الثوب"أي محمول المصلي ولو طرف عمامته الملقى بالأرض، سواء تحرك بحركته أم لا واجبة عليه.
ولما كان المصنف كثيرًا ما يطلق الواجب على الطلب المتأكد قال:"فقيل إن ذلك"أي الوجوب"فيهما"أي البقعة والثوب"واجب"مثل"وجوب الفرائض"على المكلف يثاب على فعله ويعاقب على تركه ويطلب من الصبي، لأن الطلب بالشروط من باب خطاب الوضع يستوي في الطلب به البالغ وغيره، لكن مع القدرة والذكر لا مع العجز والنسيان، وعليه فإن صلى بثوبٍ نجسٍ أو في بقعةٍ متنجسةٍ بطلت صلاته ويعيدها أبدًا مع العمد ولو جاهلًا وفي الوقت مع العجز والنسيان، وهذا القول ظاهر المدونة وصدر به خليل وصرح غير واحدٍ بمشهوريته واقتصر عليه ابن القصار، ولا يشكل عليه حديث السلام وهو كرش البعير الذي