الله المراد منه تعليم الحروف والمعاني حتى تحصل معرفة الاعتقاد والشرائع، وحينئذ صح الاستدلال بالحديث وسقط الاعتراض على المصنف بأن هذا الدليل أخص من المدلول، لأن تعليم كتاب الله بعض الخير لأنه إنما يتعلم حروفه دون معانيه.
ومن شرط الدليل كونه أعم من المدلول أو مساويا له، والحديث بهذا المعنى ليس كذلك إذ لا يعلم منه معرفة اعتقاد ولا شرائع، بخلاف ما إذا أريد بتعليم كتاب الله تعليم الحروف والمعاني صار الدليل مساويا للمدلول بل أعم، لأن معاني القرآن أعم من ذلك المدلول، وإنما رغب الشارع في ذلك لأن قلب الصغير فارغ من وسواس هموم الدنيا، وإن كان عقل الكبير أرجح لكن الوسواس والخواطر تزيله قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: لو كلفت بصلة ما حفظت حديثا.
تنبيهان الأول: ينبغي لمن له ولاية على صغير الرفق به فلا يكلفه من العمل ما لا يطيقه قاله في سماع أشهب من كتاب الجامع قال: وسمعته يسأل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، قال: ما أرى هذا ينبغي.
قال ابن رشد: إنما قال هذا لا ينبغي من أجل أن ذلك لا يكون إلا مع التشديد عليه في التأديب والتعليم وهو صغير جدا وترك الرفق به في ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله رفيق ويجب الرفق من الأمر كله"1.
الثاني: أول من جمع الأولاد في المكتب عمر بن الخطاب وأمر عامر بن عبد الله الخزاعي أن يلازمهم للتعليم وجعل رزقه من بيت المال وكان منهم البليد والفهيم فأمره أن يكتب للبليد في اللوح ويلقن الفهيم من غير كتب، وكان عمر رضي الله عنه يشهدهم على الأمور التي يخاف عليها الانقطاع بطول الزمان كالنسب والجنس والولاء.
فسألته الأولاد أن يشرع لهم التخفيف فأمر المعلم بالجلوس بعد صلاة الصبح إلى الضحى العالي، ومن صلاة الظهر إلى صلاة العصر، ويستريحون بقية النهار، إلى أن خرج إلى الشام عام فتحها فمكث شهرا، ثم إنه رجع إلى المدينة وقد استوحش الناس منه فخرجوا للقائه فتلقاه الصغار على مسيرة يوم وكان ذلك يوم الخميس فباتوا معه ورجع بهم يوم الجمعة فتعبوا في
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم باب: إذا عرض الذمي وغيره بسبب النبي صلى الله عليه وسلم حديث 4807, وابن ماجه حديث 3689.